ترامب والتصعيد مع طهران!
​​​​​​​​د. يوسف مكي.
خلال أسبوع واحد، نفذت إدارة ترامب، هجمومين ضد مواقع وأهداف ذات علاقة مباشرة بطهران. الأول هو الهجوم على مواقع الحشد الشعبي، في مدينة القائم العراقية قرب الحدود السورية، والثاني هو اغتيال اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، ونائب رئيس الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، بعد وصول سليماني إلى بغداد.
الحدث الأخير، حظي بتغطية إعلامية واسعة، عربيا ودوليا، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انقسام حاد، بين من يعتبر سليماني مجرما وقاتلا، تسبب في مصرع المئات من الأبرياء في العراق وسوريا واليمن، وتشريد الألوف من أبناء هذه البلدان إلى المنافي والشتات. وبلغ حد الشامتين توجيه التهئنة للرئيس ترامب، ووصفه بالمخلص. وبين من يعتبرونه زعيما مقاوما أسهم في هزيمة داعش، وحافظ على وحدة الأراضي السورية ونصر القضية الفلسطينية.
في هذا الحديث لسنا، بصدد إطلاق الأحكام، فما يهمنا هنا هو القراءة والتحليل، للحدث ذاته، وأسباب اختيار هذا التوقيت بالذات، من قبل الرئيس الأمريكي، لتصعيد المواجهة مع طهران. وما يهمنا في المحصلة، هو موقعنا نحن العرب، في هذا الصراع، وفي حساب الأرباح والخسائر، في هذه المجابهة.
الصراع بين طهران وواشنطن هو بعمر الجمهورية الإسلامية، وقد مر بمحطات عدة، بين تصعيد خطير وبين تراخ، بلغ في بعض الحالات حد التعاون والتنسيق، بين القيادتين، الأمريكية والإيرانية، كما هو الحال، في الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وفي حرب الخليج الثانية عام 1990، وأيضا في العدوان الأمريكي على العراق، الذي بلغ حد الاحتلال عام 2003. يضاف إلى ذلك أن الإدارتين نسقتا مع بعضهما في مواجهة القاعدة وداعش، وتبادل المعلومات والخبرات بشأن التنظيمات الإرهابية.
إثر الاحتلال الأمريكي للعراق، وتدمير مؤسسات وهياكل الدولة العراقية، ساهمت إيران وحلفائها بملء الفراغ السياسي، الذي أحدثه الاحتلال. وتولى حلفاؤها السلطة، ودشن الأمريكيون العملية السياسية، على أسس المحاصصة بين الطوائف والأقليات، وبما يناسب هوى طهران. وقيل في حينه، أن إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، قدمت العراق، على طبق من ذهب لطهران.
أحداث ما بعد احتلال العراق، والنمو المتصاعد للقوة العسكرية الإيرانية، والتحرك السريع نحو الالتحاق بالأندية النووية، خلق فائض قوة عسكرية، لدى طهران، نتج عنه تغير واضح في سلوكها تجاه محيطها الإقليمي، وتسبب في توسع أذرعة طهران، لتصل إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، والبحر العربي، بما لا ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية في هذه المنطقة.
أمريكا وحسب تصريح قادتها، في الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، يهمهم وجود إيران مستقرة وآمنة، ويريدونها أيضا قوية، لكن داخل حدودها، دون أن تكون قوة توسع إقليمية. لأن هذا التوسع سيكون على حساب المصالح الأمريكية, ومن هنا نقطة التعارض بين الاستراتيجيتين، الإيرانية- والأمريكية,
هذا التعارض في الاستراتيجيات، هو الذي خلق حالة التصعيد، وأدى إلى الصدام المستمر، المتقطع بين إيران وحلفائها، وأمريكا، وحليفها الكيان الصهيوني من جهة أخرى. وكانت ساحاته في الغالب هي الأرض العربية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
ما الذي يدعو الرئيس ترامب، لاختيار هذا الوقت بالذات، للتصعيد مع طهران؟! الجواب بالنسبة للرئيس ترامب يحمل أبعادا محلية، وإقليمية ودولية.
فهناك مشروع من الكونجرس الأمريكي، مقدم لمجلس الشيوخ، لعزل ترامب، جراء خرق مفترض من قبله للدستور الأمريكي. وربما يتمكن ترامب من الخروج بسلام من هذا المأزق، لكن توقيته، في الوقت الذي يتهيأ فيه لخوض معركة انتخابية، لدورة رئاسية ثانية، سوف يؤدي غالبا إلى خسارته. وبعمله هذا يسعى للبروز كبطل قومي، ومدافع عن المصالح الأمريكية، بعد وسمه بالتردد والجبن، والعجز أمام كوريا الشمالية، وتعاظم القوتين الروسية والصينية.
الجموح الإيراني، في العراق، توسع بما يفوق احتمال الأمريكيين، فالحشد الشعبي، الذي تأسس بموافقة أمريكية، للتصدي لداعش، انتهت مهمته بالنسبة لأمريكا، لكنه بات ذراعا سياسية وعسكرية قوية إيرانية، داخل العراق، بما لا يتسق مع السياسة الأمريكية.
ليس بالإمكان التنبؤ بردة الفعل الإيرانية، أذا استثنينا حالة الاحتقان والغضب. فهي في النهاية بالنسبة لكلا الفريقين، لعبة شطرنج، يعمل الفريقان اللاعبان على توجيه بيادقها بما يخدم مصالحهما الاستراتيجية. العراقيون وحدهم، وثورتهم التي حملت شعار مناهضة الفساد والاستبداد، ربما يكونون ضحايا المواجهة بين واشنطن وطهران على أرضهم. فحين تجرى العسكرة، وتقرع طبول الحرب، تضعف الأصوات الوطنية، المطالبة بدولة الحق والمساواة، وسيكون حدث الاغتيال، والتهديدات المتبادلة بين الأمريكيين وقادة إيران، فرصة سانحة للصوص والسراق، لمواصلة نهبهم، وربما ينتظر العراقيون طويلا، حتى يتمكنوا من مواصلة ثورتهم للتخلص من نظام الفساد والمحاصصة، وكسر القيود
‎2020-‎01-‎12