التاريخ في التراث العربي !
علي رهيف الربيعي .
يتساءل المؤرخ عن صناعته فيعني بالتاريخ تحقيق وسرد ما جرى فعلا في الماضي . ويتساءل الفيلسوف عن هدف الأحداث فيعني بالتاريخ مجموع القوانين التي تشير الى مقصد خفي يتحقق تدريجيا أو جدليا . ويتساءل الفيلسوف أيضا عن ماهية الانسان ، عما يميزه عن سائر الكائنات ، فيقول ، إنه التاريخ . (1).
قبل أن نشرع في عرض المشكلات التي تعترضنا عندما نحاول تحديد مفهوم التاريخ عند العرب . وجب أذن جمع الأخبار ، وهي الكلمة الأصلية التي استعملت لتعني التاريخ ، وقد أطلقت هذه الكلمة أولا لتدل على مجموع الأخبار المتعلقة بحياة النبي محمد ، وهذا يدل على طبيعة النشأة الأولى لعلم التاريخ ، أي أهتمامه الأصلي بسرد حياة النبي .
ينبغي أن نشير الى أن لفظ تاريخ لا يوجد في القرآن ولا في الحديث ولا فيما عرف من أدب جاهلي ، لهذا السبب راح المؤلفون المسلمون يبحثون عن أصل الكلمة في لغات أخرى فأرجعها أغلبهم الى أصل فارسي (2) . إن الأساس الذي انطلق منه التاريخ العربي هو الحدثية ، فقد كان النمط الأول الذي صيغت فيه كتابة التاريخ هو الخبر ، أي التاريخ لحدث محدد شهده أشخاص ونقله أخرون فحصل الإخبار عن هذا الحدث بواسطة سلسلة من ناقلي الخبر .
إذن فقد كان النمط الأصلي للتاريخ العربي هو تاريخ الخبر ، أي الخبر عن حدث . ويؤكد هذه الحدثية الموضوع الأصلي للتاريخ العربي . فقد اتخذ هذا التاريخ أول ما اتخذ موضوعا له حياة النبي .
وهنا لا بد من أن أشير الى الانجاز الذي حققه ابن خلدون في هذا المجال وهو ما نتبينه سواء في تصنيفه لعلم التاريخ ، أو في تصوره للتاريخ ، أو في هذا التحول الذي قام به على مستوى منهجية هذا العلم .
يورد ابن خلدون تصنيفا للعلوم في ” المقدمة ” (3) يبدو من النظره الأولى انه ينحو فيه منحى تصنيف معتاد ، أي تقسيم العلوم الى قسمين ” شرعية ” و ” عقلية ” ولو ان هذا التصنيف لم يخل من طابع ” خلدوني ” ، اذا أقامه من منظور ” عمراني ” .
فهذه العلوم لا توجد عنده إلا في المدن، وخاصة ( الأمصار ) ، ” أي أن تنظيم العلم وتناقل المعارف ، وترسيخ التقاليد العلمية كل هذه تستلزم مستوى من تطور العمران … والعلوم العقلية بوجه خاص تتطلب مستوى من الحضارة من شأنه أن يخفف من قبضة التشدد الديني ، وإلا ظلت هذه العلوم تحت رقابة رجال الدين السنة ” كما يقول …
ببد أن علم التاريخ إن غاب من القسم المخصص لتصنيف العلوم في ” المقدمة ” فهذا لا يعني ان ابن خلدون لم يحدد لهذا العلم مكانا بل بالعكس ، فهو في ” المقدمة ” نفسها قد اعتبر هذا العلم من ضمن ” العلوم العقلية ” ، أي انتزعه من حظيرة العلوم الشرعية التي اعتاد المؤرخون والمؤلفون الاسلاميون أن يصنفوه داخلها .
ففي مفتتح كتاب ” المقدمة ” يورد ابن خلدون تعريفه للتاريخ ، ويتحدث عن مشروعه في كتابته ، أو إعادة كتابته . وهنا نجد المؤلف صريحا في موضوعته لعلم التاريخ : فهو عنده ” أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق ” . فقد عد التاريخ إذن من علوم الحكمة ، أي من علوم الفلسفة .
فقوانين التاريخ عند ابن خلدون جزء من قوانين العمران ( أي الاجتماع الانساني ) . والعمران جزء من العالم الطبيعي ، تنبني عليها علوم مختلفة ، منها علم التاريخ الذي هو ” نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ” . والواقع ان العلاقة بين علم التاريخ وعلوم الفلسفة جد وثيقة في ” المقدمة ” .
ان المؤرخ الاسلامي ، يجد نفسه أمام تنظيم ما للزمان الماضي ، ونمط في تقسيم وتعاقب الزمان التاريخي ، أي التحقيب ، وبروز أحداث وشخصيات حاسمة فيه، ودعوى أخلاقية ( وسلم قيمها ) وراء تسلسل السرد ، وعلاقة الانتاج التاريخي بالفئات المتوجه به اليها … كل هذا مما يكون النظرية العميقة للتاريخ ، والتي ينبغي استكشافها من تحليل النص التاريخي نفسه .
مصادر ومراجع :
(1) الموسوعة الفلسفية العربية ” تاريخ ” ص 210
(2) ابن خلدون ، المقدمة ، دار الكتاب اللبناني ١٩٦٣
(3) روزنثال ، فرانز ، علم التاريخ عند المسلمين ، ت ، صالح العلي ، بغداد ١٩٦٣
2018/01/10