الدم الذي يجمعنا!


موفق محادين.

استشهاد القائدين سليماني والمهندس يفتح أبواب التاريخ وأبواب الإقليم للتغيير الكبير، وإعلان بداية النهاية للمغول الجدد من الأميركان وأتباعهم.
أكّدت الأصابع الأميركية القذرة التي امتدت إلى القادة الشهداء، قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما، على أن معسكر المقاومة والممانعة (سوريا، وإيران، وحزب الله، المقاومة العراقية والفلسطينية، وأنصار الله في اليمن) ألحق ضربات موجعة بالتحالف الأميركي – الصهيوني – العثماني – الرجعي – التكفيري وأحبط استراتيجية حدود الدم الطائفية وحروبها وحوّلها إلى حدود تكامل بين قوى المقاومة وشعوب المنطقة.
كما أظهرت أن الجريمة المذكورة، كانت انعكاساً لأزمة تحالف الشر وتراجعه المستمر ومحاولته استعادة زمام المبادرة بعد فقدانها في المواجهات السابقة وعلى كل الجبهات، ولا سيما بعد إفلاس الاستراتيجيات التي انتهجها خلال السنوات الماضية، وخاصة “البافرستيتات” (المعازل التكفيرية الطائفية المسلحة لتمزيق الحدود بين قوى المقاومة).
ويشار هنا كذلك إلى أن الجريمة المذكورة باغتيال القادة الشهداء، الذين هزموا داعش، كشفت أكاذيب الحلف الأميركي– الرجعي في محاربة هذه العصابات التكفيرية التي ولدت في أقلام الاستخبارات الأميركية – البريطانية – الصهيونية – العثمانية.
أما رد المعسكر الوطني على هذه الجريمة فإنه في إطاره العام لن يكون اعتباطياً وجزافياً ومحدوداً، ولن يكون مجرد ردة فعل عاطفية على خسارة أبطال من هذا الوزن، وأما من حيث ترجمته فهو مفتوح على احتمالات عديدة، منها دخول قوى دولية وإقليمية لاحتواء الموقف وإجبار واشنطن على رفع الحصار عن إيران وتخفيض التصعيد معها والاعتراف بحضورها الإقليمي.
ومن الاحتمالات الأخرى المزيد من العربدة الأميركية والتي تستدعي في عقل المقاومين الراديكاليين الاشتباك الاستراتيجي على مستوى الإقليم كله: جغرافياً من خراسان إلى المتوسط، ومن قزوين إلى باب المندب، وسياسياً عبر أوسع جبهة وطنية بأدوات عسكرية وسياسية وتعبوية وعبر بنك أهداف استراتيجي يمزج بين العمل الميداني والمصالح الحيوية، كما عبر توسيع القواسم المشتركة مع القوى الدولية الصاعدة، مثل روسيا والصين، على غرار المناورات البحرية الأخيرة.
فذلك وفق المقاومين يطوع زمام المبادرة ويحرم العدو من أي فرصة لالتقاط أنفاسه، ويفتح الباب أمام شرق جديد مقاوم غير الشرق الأوسط في أدبيات المتروبولات الرأسمالية المتصهينة وأقلام استخباراتها، التي دأبت على سياسة شراء الزعماء أو اغتيالهم، وازدراء الجمهور والتعامل معه كقطيع ترن أجراسه بكبسة زر من البيت الأبيض أو من تل أبيب نفسها أو من “داوننج ستريت” أو من ماسونية الإليزيه ومحفل الشرق الأعظم.
إلى ذلك، وفي ما يخص الاغتيالات السياسية وموقعها ودورها في رسم المصائر الكبرى فدونها تاريخ حافل:
ثمة اغتيالات فردية في التاريخ تكثف الإرهاصات الكبرى لتحولات مصيرية، سواء على مستوى التاريخ العالمي أو الإقليمي، منها الجريمة الأخيرة التي نفذتها امبراطورية الشر الأميركية بحق الشهداء سليماني والمهندس ورفاقهما، ومنها الاغتيالات الصهيونية التي طالت العديد من قادة المقاومة اللبنانية والفلسطينية ومنها الاغتيالات التي طالت قادة ثوريين مثل تشي جيفارا في بوليفيا ولومومبا في الكونغو.
ويذكر كذلك اغتيالات من نمط آخر كان لها تأثيرات كبيرة في مجرى الأحداث مثل اغتيال يوليوس قيصر، وولي عهد النمسا قبيل الحرب العالمية الأولى، وثمة اغتيالات أخرى انعكست في تداعيات داخل القوى الكبرى مثل اغتيال ابراهام لينكولن وجون كينيدي.
ومن المؤسف أن موتاً غامضاً أقرب إلى الاغتيال، أوقف لبعض الوقت تحولات وطنية كما حدث مع قادة عرب كبار مثل جمال عبدالناصر في مصر وبومدين في الجزائر.
وبالعودة إلى استشهاد القائدين سليماني والمهندس، فهو استشهاد من سلالة الدم الذي يفتح أبواب التاريخ وبكل يد مضرجة يدق، فأبواب الإقليم كلها اليوم وليس بوابات نيسابور وبابل وحدها مشرعة للتغيير الكبير، وإعلان بداية النهاية للمغول الجدد من الأميركان وأتباعهم.
ولم تجانب الصواب أبداً طهران، عندما أعلنت قبل أيام أن العالم سيدخل من الشرق الأوسط عصر ما بعد أميركا، كما دخل من قبل عصراً جديداً بعد أزمة السويس 1956، وكان عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين قد قدموا قراءات تتوقع نهاية السيطرة الأميركية على العالم وتحولها إلى قوة كبرى دولية عادية، ومن هؤلاء: بريجنسكي، بول كينيدي، بيرتراند بادي، توفلر، وأصحاب نظرية التحول من المركز إلى المحيط بفضل تداعيات قانون التركيب العضوي لرأس المال وتبادل علاقات القوة بين البورصة والثورة المعلوماتية والإنتاج الصناعي الذي بات يتركز في جنوب وشرق العالم.
كاتب ومحلل سياسي أردني
‎2020-‎0110