زيارة بأبعاد استراتيجية.. بوتين في دمشق!
بقلم .. أمجد إسماعيل الأغا.
في توقيت شرق أوسطي بالغ الأهمية، تعمدت دمشق مجدداً أن تكون بوابة لجُلّ المعادلات الإقليمية والدولية. إذ لم تعد دمشق مشهداً مُصغراً يعكس حجم التناقضات والتعقيدات التي يشهدها الشرق الأوسط، فقد باتت الدولة السورية مركزاً حيوياً لكافة الخطوط السياسية في المنطقة، والتي تمتد لتشمل المسارات الإقليمية والدولية بأبعادها السياسية والعسكرية. فحجم الترهلات والتصدعات التي عنونت محور واشنطن، أماطت اللثام عن ولادة توازنات صادمة لواشنطن. وعطفاً على معاني الانتصار السوري بشقيه السياسي والعسكري، في ترتيب أوراق الإقليم، جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق، واستقبله الرئيس السوري بشار الأسد، في لحظة مفصلية عنوانها الأبرز صوغ أوراق جيواستراتيجية، وصرفها عبر معادلات شرق أوسطية، في ظل محاولات واشنطن إحداث شرخ في بنية المنطقة، عبر حماقات سياسية وعسكرية، أخرها اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني.
زيارة بوتين إلى دمشق، لا تعكس علاقة التحالف والصداقة بين الدولتين فحسب، بل تعدت هذه الزيارة ذات الطبيعة العسكرية والسياسية والاستراتيجية، أبعاد المناخ الإقليمي والدولي بالغ الدقة والحساسية، حيث أن هذه الزيارة تعكس التأكيد الروسي على دعم دمشق في استكمال عمليات تحرير الجغرافية السورية، وترتيب أوراق شمال شرق سوريا، فضلاً عن بلورة موقف سياسي وعسكري مُتعلق بالتطورات الأخيرة، لجهة استشهاد سليماني، وإمكانية دخول المنطقة في تعقيدات وتحديات جديدة، تؤسس لحرب إقليمية. فالزيارة لم تأتي بعيداً عن هذا الهدف.
الزخم الدبلوماسي والسياسي الذي تشهده المنطقة، وكذلك التحرّكات العسكرية المتسارعة، وشبكة التفاهمات الهائلة التي تبنيها القوى الفاعلة، تشي بأن التطورات تسير باتجاه إعادة ترتيب المنطقة، التي دخلت في وضع فوضوي جراء السياسات الأمريكية، والخلافات والتوترات السياسية التي تُهيئ مناخ عسكري، قد يُدحرج الأمور إلى حافة الهاوية. بهذا المعنى، يبدو واضحاً أن زيارة بوتين حملت عناوين متعددة، يُمكن إجمالها بالتالي:
أولاً – روسيا وما تمثله من قوة سياسية وعسكرية فاعلة ومؤثرة في مجمل قضايا المنطقة، تهدف إلى الحد من تأطير جُل حالات التنافس بشقيه السياسي والعسكري، وتهيئة المجال لصوغ توافقات تُجنب الشرق الأوسط حرب كارثية. من هنا فإن سوريا جُزئية هامة يدور حولها النشاط الإقليمي والدولي، الهادف إلى إعادة ترتيب أوراق المنطقة.
ثانياً –الحالة السورية القادرة على جمع التناقضات الإقليمية والدولية، وترجمتها مسارات واقعية، ستُثبت قُدرتها على تفسير الظواهر المُعقدة والراهنة، وصوغ حلول سياسية أو بدائل عسكرية، وذلك انطلاقاً من قُدرة الدولة السورية على إدارة مستويات الصراع في سوريا وعليها. لا سيما أن دمشق وموسكو حليفان استراتيجيان ولابد من تنسيق المسارات سياسياً وعسكرياً.
ثالثاً – زيارة بوتين إلى دمشق في هذا المناخ السياسي الشرق أوسطي المتوتر، هي رسالة إلى واشنطن وأدواتها في المنطقة، خاصة أن التواجد الأمريكي في سوريا غير شرعي، فضلاً عن الدور الأمريكي في إعادة تدوير بقايا داعش، ومحاولة إعادة الوقائع إلى نقطة الصفر، وفي هذا أيضاً رسالة موجهة إلى الجماعات التي تعمل ضمن الأجندة الأمريكية. وبالتالي هناك قرار سوري روسي بضرورة منع عرقلة أي حل سياسي، عبر تطويع هذه الجماعات “الأمريكية” لعرقلة الحل السياسي في سوريا.
رابعاً – الرئيس الأسد تمكن وبقدرة استراتيجية من توظيف وإدارة وتفكيك كافة المعادلات الجيوسياسية المتربصة بالدولة السورية، وتشكيل نماذج من التوازنات، ستكون بلا ريب بوابة لحلول سياسية وأخرى عسكرية، وأنموذج اقتصادي مؤثر على مستوى الإقليم. وعليه فإن زيارة بوتين جاءت في إطار دعم ما تم تحقيقه سياسياً وعسكرياً، فـ الرجلين حليفان استراتيجيان، ولا بد في ظل المناورات الأمريكية والتركية المتعددة الأوجه، من الشروع الفعلي بصوغ معادلة استراتيجية ناظمة للقادم من الأيام.
في النتيجة، زيارة بوتين إلى سوريا، تؤكد بأن طريق دمشق سالك لكافة الأطراف الإقليمية والدولية، فـ سوريا الموقع والدور الإقليمي المؤثر والفاعل، ستكون مدخلاً لرسم مشاهد الشرق الأوسط وخطوطه العريضة، سياسياً وعسكرياً.
‎2020-‎01-‎08