سورية وإيران وأبجديات استراتيجية المقاومة!


 أمجد إسماعيل الآغا.
بات واضحاً أنّ المُستجدات التي طرأت على التحالفات الإقليمية، قد أثرت عميقاً في بنيتها وأساسيات تكوينها. حتى أنّ العوامل التأثيرية ببُعديها السياسي والعسكري، الناظمة لهذه التحالفات، باتت بحاجة ماسة إلى عمليات تصويب وتقويم، بُغية مجاراة الشرخ الذي أصاب جُلّ التحالفات التقليدية الإقليمية، وتحديداً عقب الحرب على سورية. في هذا الإطار، وعلى اعتبار تداعيات الحرب السورية، ونتائجها في إعادة ترتيب النظام الإقليمي. من الواضح أن الكيان الاسرائيلي بات على حافة فالق استراتيجي يُهدّد وجوده، خاصة أنّ بداية تشكيل هذا الكيان، كان هاجس العُزلة يُشكل أهمّ تهديد لصُناع القرار في تل أبيب، حتى أنّ الأبعاد الجيواستراتيجية التي يرتكز عليها الكيان الاسرائيلي، في صياغة منظوره السياسي والعسكري، باتت بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة المفاهيم، ضمن مُحيط تعجّ به التغيّرات المتسارعة، حيث أنّ جُملة الاستراتيجيات الاسرائيلية التي توصلت اليها مراكز الأبحاث في تل أبيب، صوّبت على جُزئيات الانتصار السوري، ومآلاته الكارثية على الكيان الاسرائيلي. من هنا فقد باتت استراتيجية عقيدة الطرف الاسرائيلية، التي ابتكرها ديفيد بن غوريون أول رئيس لحكومة الاحتلال ووزير دفاعها، والتي تمحورت حول تعزيز قوة الردع وفقاً للظروف الجيوسياسية المتعلقة بضعف العمق الاستراتيجي للكيان الإسرائيلي، وتكوين شراكات مع الدول غير العربية في المنطقة مثل إيران وتركيا وإثيوبيا، عوضاً عن استخدام الحرب الوقائية للدفاع عن أمنها القومي، ونقل المعركة إلى خارج الحدود الإسرائيلية، باتت بعيدة عن التطبيق الواقعي. لكن ضمن هذا المُعطى، برزت العديد من المتغيّرات الإقليمية التي من شأنها اختبار العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وعلاقاتها الخارجية بما يستدعي الوقوف عند حدود هذه العقيدة ومدى نجاحها. وعليه فإنّ ما أسّس له الكيان الإسرائيلي على مدى عقود، يُعاني اليوم من الترهّل السياسي والعسكري، خاصة أنّ محور المقاومة ومعادلة سورية إيران، قد أطرت جُلّ التوجهات الاسرائيلية في المنطقة، وبات الكيان الاسرائيلي يبحث عن مسوغات تكون في المضمون والأهداف، رافعة واستدامة لتواجده في المنطقة.
في ظلّ ما سبق من معطيات. تحاول «إسرائيل» هندسة ظروف جديدة عِمادها قوة التحالفات الغير تقليدية، فالأساس العملي يفرض البحث عن استراتيجيات من شأنها تأطير الصعود الإيراني السوري، والحدّ من تأثيرات هذا التحالف بين دمشق وطهران، على مُجمل القضايا الإقليمية. وبالتالي فإنّ التوجه الاسرائيلي لبعض بُلدان الخليج، يأتي ضمن جُزئية تشكيل جبهة مضادة للحلف السوري الإيراني، وبرعاية أميركية، وقد لا يبدو مُستغرباً التقارب الغير العلني، بين بعض حُكام الخليج وتل أبيب، خاصة وسط الأجواء السياسية والعسكرية التي رُسمت بمحور مقاوم، يمتدّ من طهران ليصل إلى دمشق. كما أنّ ترتيب الأولويات الإقليمية بات ضرورة استراتيجية للتحالفات الوليدة الغير تقليدية، فالسعودية مثلاً ورغم ما يُشاع من أجواء إيجابية عن عودة العلاقات مع دمشق، إلا أنّ طبيعة الوقائع الإقليمية، تأخذنا بعيداً عن ماهية ومضمون هذا المشهد، خاصة أنّ واشنطن لا ترى ضرورة للتقارب السعودي مع دمشق في الوقت الحالي، إضافة إلى أنّ الرسائل التي نسجتها زيارة وفد من شركة أرامكو النفطية السعودية إلى حقول النفط في شمال شرق سورية، تفرض نوعاً من التأني والتعمّق في هذا المشهد، الذي يحمل في طياته الكثير من الإشارات، والتي تصبّ بمُجملها في نقطة اللا عودة إلى دمشق، وبذات التوقيت هناك رغبات اسرائيلية أميركية لا زالت تُهندس مشهد التحالفات، فالكلّ مُتفق على ضرورة وضع إطار رادع لدمشق وعلاقاتها الإقليمية، لا سيما العلاقة مع إيران، وفي جانب آخر ترى تل أبيب ضالّتها في البحث عن شريك إقليمي فاعل ومؤثر كالسعودية. وبين هذا وذاك، يبدو أنّ الرهان الاسرائيلي يُبحر بعيداً في أوهامه، لبلورة واقع جديد في سورية، غايته الأولى والأخيرة إخراج إيران من الجغرافية السورية.
في السياق، أصدر معهد «القدس للاستراتيجية والأمن الإسرائيلي» تقريراً يعرض فيه التطورات المحتملة في البيئة الاستراتيجية لـ «إسرائيل» في السنة المقبلة، ويقدّم فيه توصيات مناسبة للتعامل مع التحديات الجديدة. ومن جُملة ما أوصى به التقرير، مواصلة التحاور مع روسيا على وجه الخصوص، والسعي للحفاظ على حرية العمل في الأجواء السورية، ضمن بحث عن سبل لتعويض الإخفاقات الاستراتيجية في الساحة السورية، وذلك نتيجة هزيمة الفصائل الإرهابية التي عوّلت عليها تل أبيب، في ما يتعلق بفرض واقع جيواستراتيجي جديد في سورية. وضمن ذلك يبدو أنّ دمشق وبعد مراكمة ما تمّ تحقيقه سياسياً وعسكرياً، ستلجأ إلى التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، وفق قواعد اشتباك جديدة، وتثبيت معادلات الردع، التي هندستها بالاعتماد على جُزئيات الانتصار السوري. هذا الأمر تغاضت عنه دمشق طويلاً، ولم تكن لديها النوايا لمواجهة الاعتداءات الاسرائيلية بشكل كامل، جراء الحرب التي فرضت على سورية، وانشغال الجيش السوري بمحاربة الإرهاب.
هذا الواقع الجديد يؤكد بأنّ دمشق لا يُمكن لها أن تبقى صامتة، في ظلّ استمرار الإرهاب الاسرائيلي، فالتحوّلات النوعية في الاستراتيجية السورية، تذهب بعيداً في صوغ واقع عسكري جديد يؤطر كافة التحركات العسكرية الاسرائيلية في الأجواء السورية. في هذا الإطار، ذكر موقع «Avia.Pro” الروسي الذي يتابع أخبار الطيران، أنّ سورية قررت شراء منظومة “Bavar 373”. بالتوازي مع ما كتبه موقع “دبكا فايل” الإسرائيلي في هذا الصدد: وفقاً لبيانات من عدة مصادر، فقد تمّ نشر أنظمة الدفاع الجوي الإيراني في سورية. وقد توصّلت طهران وموسكو إلى اتفاق يسمح لإيران بنشر نظامها المضاد للطائرات على الأراضي السورية.
المعطيات السابقة تؤكد بأنّ دمشق وموسكو وطهران، تجمعهم رؤيه واحدة وهدف واحد، فالحدّ من الاستفزازات الاسرائيلية المُتكررة ضدّ سورية، بات ضرورة استراتيجية، ولعلّ المنطلقات التي وحدت دمشق وموسكو وطهران، تتمحور حول ردع “إسرائيل”، ومنعها من العبث بما تمّ تحقيقه في سورية، إضافة إلى منع الانجرار نحو حرب إقليمية كارثية، خاصة أنّ الكيان الاسرائيلي قد تمّت محاصرته ضمن نفق انعدام الخيارات سياسياً وعسكرياً، لا سيما أنّ مُرتكز الأهداف الاسرائيلية، ينطلق من منع تواجد وتمركز القوات الإيرانية في سورية، وهذا الأمر قد حُسم بتوقيت دمشق، حتى أنّ روسيا ترى في هذا التواجد أهمية بمفاعيل استراتيجية كبيرة. وبالتالي فإنّ المنظومة الأمنية السورية الروسية الإيرانية، تحمل معها معادلات جديدة بأطر جيوستراتيجية، وما تُمثله الجغرافية السورية من مفاهيم سياسية وعسكرية لكلّ من روسيا وإيران، فإنّ الواقع يؤكد، بأنّ الاتفاق العسكري الروسي والإيراني، وكذا السوري، يُعدّ بمثابة نهاية الاتفاقات الروسية الاسرائيلية عسكرياً واستخباراتياً، مع إبقاء مجالات التعاون في ما بينهم في إطار تكتيتي. وما يؤكد هذا المُعطى، تصدّي طائرة روسية لمقاتلات إسرائيلية. حيث قامت طائرة SU-35 روسية بالمناورة في الأسبوع الماضي في جنوب سورية، ومنعت عمليات عسكرية للكيان الإسرائيلي، وأفشلت خطةً إسرائيليةً لشن سلسلة من الهجمات على قاعدة “T4”، وهي أكبر قاعدة جوية سورية.صفوة القول، الواضح أنّ دمشق وطهران قد أسّستا منظومة استراتيجية بتكتيكات سياسية وعسكرية وأمنية بعيدة المدى، إذ أنّ هذه العلاقة الاستراتيجية اسست لأبجديات محور المقاومة، وباتت محاولات الكيان الاسرائيلي لتعديل أو تحجيم او تأطير هذه العلاقة، منتهية الصلاحية. واليوم مع نشر منظومة Bavar 373 في سورية، يمكن أن نقول بأنّ جُلّ المحاولات التي تبذلها “إسرائيل” حيال عرقلة الوجود الإيراني في سورية، منتهية من الناحية العملية، خاصة أنّ هذا النظام الصاروخي وأداءه غير معروف لدى الكيان الاسرائيلي، ومن ناحية أخرى، فإنّ النظام الراداري طويل المدى لمنظومة Bavar 373، والذي يتمتع بـ 320 كيلومتراً مدى السيطرة، و 260 كلم مدى الرصد والمتابعة، و200 كلم المدى التشغيلي، لاستهداف مجموعة متنوعة من الصواريخ والطائرات، حتى اكتشاف 300 هدف، وتتبُّع 60 هدفاً في آن واحد، يوفر لمحور المقاومة الإشراف الكامل للأنشطة الجوية الاسرائيلية في عمق الأراضي المحتلة، وهذا فعّال حتى بالنسبة للمقاومة في لبنان وغزة أيضاً أمام الغارات الجوية “الإسرائيلية
‎2019-‎12-‎31