الهواجس الاسرائيلية تُجاه إيران.. هل تُترجم حرباً في المنطقة؟


أمجد إسماعيل الآغا.
ضمن  البُعد الاستراتيجي الذي يؤرق الكيان الاسرائيلي، يبدو طبيعياً أن تقوم الاستخبارات الاسرائيلية، باستغلال تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، لجهة التحذير من اتجاه طهران نحو خيار امتلاك القوة النووية، بُغية الدفع بهذه التحذيرات، إلى بوتقة التصعيد بشقيه السياسي والعسكري. فالكيان الاسرائيلي لطالما قدم ادعاءات بأن ايران باتت قادرة على الوصول إلى السلاح النووي، الامر الذي من شأنه إحداث خرق استراتيجي، في منظومة الردع الإقليمي التي هندستها اسرائيل على مدى السنوات الماضية. وما بين تصريحات بومبيو، وتظهير ايران على أنها خطر إقليمي ووجودي على الكيان الاسرائيلي، يبدو أن اسرائيل ترى في هذا المشهد، فرصة لمواصلة التحريض ضد برنامج ايران النووي وصواريخها البالستية. فـ صُناع القرار السياسي والعسكري في اسرائيل، اعتادوا منذ سنوات  الحديث عن الهواجس والمخاوف من البرنامج النووي الإيراني، مع إمكانية بقاء الخيار العسكري مطروحاً على الطاولة. الامر الذي ترجمه وزير خارجية الكيان الإسرائيلي ووزير الأمن “يسرائيل كاتس”، عبر توجيه تهديدات عسكرية ذد ايران، واعلن عن استعداد كيانه قصف المنشآت النووية الإسرائيلية.
التطورات الشرق أوسطية ومضامينها، لجهة الواقع الإقليمي الجديد الذي تم فرضه بناء على صمود الدولة السورية وجيشها، أدخل اسرائيل في دوامة البحث عن مخارج وحلول لاحتواء مفاعيل الانتصار السوري ونتائجه المستقبلية، وتحديداً تلك الجُزئيات المتعلقة بتعاظم قوة محور المقاومة ككل، فباتت تل أبيب أمام خيارين؛ الأول ابتلاع الهزيمة والانكسار في سوريا، والثاني شن حرب على أحد أركان محور المقاومة، فكلا الخيارين يحملان نتائج كارثية على دولة الكيان، حيث أن البيئة الاقليمية الجديدة التي فرضها صمود الدولة السورية ومعادلات الردع التي حققها الجيش السوري، إضافة إلى تشكيل منظومة المقاومة “دمشق طهران بغداد حزب الله”. هي معطيات لا يمكن أن يُبددها اي خيار عسكري  يُدرس في اسرائيل، إذ ما تم الربط بين التهديدات الإسرائيلية ضد طهران، والوقائع الاقليمية المتسارعة. وعليه فإن هذه التهديدات، لا يُمكن وصفها إلا بالجوفاء، خاصة في ظل العديد من التحديات التي يعيشها الكيان الاسرائيلي داخلياً وخارجياً.
للغوص عميقاً في ماهية التهديدات الاسرائيلية، بشن حرب ضد ايران، وربطها مباشرة بجُملة التطورات الإقليمية، وتأطيرها بالجوانب الداخلية في اسرائيل. يبدو أن الكيان الاسرائيلي يعتمد على رفع سقف التصريحات، بُغية توجيه رسائل رادعة لمحور المقاومة ككل، لكن في مضمون هذه التصريحات وماهيتها، الواضح أن الكيان الاسرائيلي يتجنب الدخول مباشرة في أي حرب كبرى، لكن يُبقى جُزئيات استهدافه لسوريا واستفزازاته لحزب الله، عامل ضغط مؤثر في تفاصيل معادلات الردع، خاصة أن هشاشة الوضاع الداخلية في اسرائيل، تُعد من العوامل الضاغطة على صُناع القرار السياسي والعسكري في تل أبيب، مع التركيز من قبل قادة الكيان على الجانب الإقليمي، فالوضع الامني للكيان الاسرائيلي، يُعاني من تصدعات صادمة نتيجة حصاره من قبل محور المقاومة، من سوريا ولبنان وغزة، فالقواعد الصاروخية ذات التقنيات العالية، والإصابات الدقيقة، قادرة على أن تطال عمق الكيان. هذه الحقيقة باتت حاضرة وبقوة لدى القادة الاسرائيليين، ولن يتمكنوا ضمن أي مسار من تعديل هذا لوضع لصالحهم، فالحقائق الجديدة التي فرضها محور المقاومة، أجبرت الكيان الاسرائيلي على الرضوخ والتسليم بمعطيات الامر الواقع.
في جانب أخر، فإن ما أعلنه “غادي أيزنكوت” قائد الأركان المشتركة السابق للجيش الصهيوني، لجهة الاستراتيجية العسكرية الجديدة للجيش الاسرائيلي، وبأن هذا الجيش سيقاتل على عدد من الجبهات ضمن أي حرب مستقبلية، دون التأكد من الوصول إلى النتيجة التي بموجبها سيتم تحقيق أعلى مستويات الردع، أو تعديل موازين القوى لصالح الكيان ضد أركان محور المقاومة. وبالتالي، يبدو واضحاً أن هناك تأكيدات داخل الكيان الاسرائيلي، بعدم جدوى شن أي حرب وعلى أي جبهة، وإنما يتم التركيز في الوقت الحالي، على مفردات الحرب الاعلامية، وخلق حالة من الكباش السياسي، وربطها مع الانتقادات الأوروبية الأخيرة لبرنامج الصواريخ الإيراني.
في هذا الإطار، قامت ثلاث دول أوروبية – ألمانيا وفرنسا وبريطانيا – في إجراء مخادع ضد إيران، باتخاذ موقف ضد برنامج إيران للصواريخ الدفاعية والتقليدية، عبر رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بينما لم تنفذ تعهداتها بموجب الاتفاق النووي. وعليه فقد حظيت الخطوة الاوروبية بترحيب اسرائيلي كبير، مع تسليط أضواء إعلامية كثيرة، لإبقاء برنامج ايران الصاروخي، فضلا عن الملف النووي، في قائمة الاخبار الدولية، بما يؤسس لإحداث شرخ في التفاهمات الاوربية الايرانية.
ضمن ما سبق من معطيات، وعطفاً على جُملة الأهداف التي تبلورها تل أبيب، حيال ممارسة الضغوط على طهران، وتوجيه زخم التهديدات العسكرية ضدها، يبدو أن اسرائيل تحاول هندسة واقع إقليمي يكون بمُجملة ضد سياسيات ايران في المنطقة، بالتزامن مع تصاعد في المواقف الداعية لحورا خليجي ايراني، على أساس خطة السلام الإيرانية المقترحة التي تُدعى خطة “هرمز” للسلام. لكن في مقابل ذلك، فإن اسرائيل تعمل بجدٍ لمنع أي تفاهمات خليجية ايرانية، كما أن واشنطن تعمل في سياق استراتيجي بعيد المدى، حيث تحاول اجبار الإمارات والبحرين وسلطنة عمان والمغرب، على إبرام اتفاقية منع اعتداء مع الكيان الاسرائيلي،  في ظل الضخ الأمريكي والاسرائيلي المتزايد، حيال سيناريو ايران فوبيا.
في هذا السياق، قال وزير الحرب الصهيوني ومن أجل إظهار الدول العربية إلى جانب “إسرائيل” في جبهة مشتركة في العداء لإيران، إنه: “إذا تجاوزت إيران الخطوط الحمراء في برنامجها النووي، فستواجه جبهةً موحدةً من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، تطلق مئات الصواريخ على طهران.”
في النتيجة، وبصرف النظر عن هواجس تل ابيب وواشنطن تُجاه ايران، فإن الكيان الاسرائيلي يُدرك بأن أي خطوة حمقاء ضد ايران، ستؤدي إلى نتائج عكسية بالمعاني كافة، وسيكون رد محور المقاومة بمثابة زلزال سياسي وعسكري يُصيب بنية الكيان الاسرائيلي. وعليه فإن أي تصريحات ومعارك اعلامية وهندسة سيناريوهات، ما هي إلا انعكاس واضح لحجم الخوف المُحيط بالكيان الاسرائيلي، مع تأكيد بأن واشنطن لم تعد تلك القوة المطلقة التي تفرض ما تُريده، فالوقائع تغيرت، والمعطيات تبدلت، ولات محور المقاومة يُشكل معادلة يصعب اختراقها أو كسرها، وجلّ ما تستطيع واشنطن وتل ابيب فعله، هو إحداث توترات سياسية، وتعقيدات في مسار الحلول الشرق أوسطية. فلا واشنطن وتل أبيب قادرتان على اتخاذ قرار بالحرب، في ظل تعاظم قوة محور المقاومة.
‎2019-‎12-‎22