المسيحية والعشاء الأخير للتاريخ المصرى !

بقلم / ياسر رافع.

فى العام 2004 تقدم مجموعه من المؤسسين ” لحزب مصر الأم ” _ حزب ليبرالى علمانى _ بطلب إلى لجنه شئون الأحزاب فى مصر لإشهار الحزب وقد رفضت اللجنه الموافقه على الطلب ! ولكن الموضوع لم يقف عند هذا الحد فقد أصبح هذا الحزب مثار جدل على صفحات الجرائد والشارع السياسى المصرى بسبب ما كان يدعوا إليه من تبنى ” القوميه المصريه الفرعونيه ” والمطالبه بتعديل الدستور بما يؤدى إلى إستبعاد أى إشارة إلى إنتماء مصر العربى أوإرتباط الدين بالسياسيه ! وعلى الرغم من رفض لجنة شئون الأحزاب للحزب الفرعونى لمخالفته للدستور أو لإعتراض التيار القومى والإسلامى على سياسات الحزب الجديد إلا أنه قد فتح بابا واسعا للجدل حول محاولات القطع التاريخى التى تمارس ضد التاريخ المصرى الفرعونى والمسيحى !!
…………………………………………………………
فى لوحة العشاء الأخير لـ” ليونارد دافنشى ” تصوير للحظات الأخيرة للسيد المسيح مع حواريه قبل الوشايه التى أدت به إلى الصلب ، وبعيدا عن التصور الدينى لمسألة الصلب إلا أن ما يعنينا هو أن أحد الحواريين على تلك المائدة قد إنطلق بإتجاة مصر لينشر فيها دعوة السيد المسيح وهو القديس ” مارمرقس ” الذى كان عشاءة الأخير مع السيد المسيح بدايه لفجر جديد فى التاريخ المصرى بعدما إنتهت الإمبراطوريه الفرعونيه ووقعت مصر تحت الإحتلال الأجنبى فقد أمن المصريون بالمسيحيه وعضواعليها بالنواجذ وكافحوا فى سبيل عقيدتهم وكان جزاءهم الموت والحرق والتشريد فى صوامع الرهبنه فى جوف الصحراء حتى أصبح لمصر مكانا مميزا حتى فى ظل الإحتلال الأجنبى ، فكانت كنيسة الأسكندريه لها الكلمه العليا والمتحدث الأعلى صوتا فى كل المجامع الكنسيه ، ولكن هذا لم يعجب المحتل الغاصب وحاول ثنى أهل مصر عن مذهبهم المسيحى وتطويعهم إلا أن المصريين وعلى رأسهم البطريرك قاوموا على مدار التاريخ ضد المحتل حتى أن مطاردة السلطات الرومانيه للبطريرك ” بنيامين ” ومحاولة إعتقاله لإجبارة على تغيير مذهبه والتاثير على المصريين لتغيير مذهبهم ليكون مثل مذهب الدوله مثال حى على قدرة المصريين على الحفاظ على رمزهم الدينى والوطنى وتفانوا فى الحفاظ عليه بعيدا عن أعين الجنود الرومان حتى مجئ الفتح العربى الإسلامى لمصر . وبقيت كنيسة الأسكندريه سيدة الشرق بلا منازع
………………………………………………………..
فى أثناء ثورة 1919 كان مشهد الشيخ ممسكا بيد القسيس ، وفى ثورة 25 يناير مشهد الشباب المسلمين يصلون فى التحرير فى حراسه إخوانهم المسيحيين ، كان ذلك تعبيرا عن أن التاريخ المصرى والهويه المصريه نهر متصل لا ينقطع على الرغم من محاولات إختطاف الهويه ومحاولة إيجاد مفاصله أو قطع تاريخى من قبل تيارات سياسيه وهو ما يتسق مع حقائق التاريخ كما يقول الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل ” تاريخ كل أمه خط متصل وقد يصعد أو يهبط وقد يدور حول نفسه أو ينحنى ولكنه لا ينقطع ”  
لكن لماذا يتصدر المشهد المصرى من يقطع بأن التاريخ المصرى يقف عند حدود بعينها ، حدود ترنوا إلى الخارج والتأكيد على التواجد فى المحيط الخارجى دون التأكيد على الهويه المصريه الخالصه التى تحمل تاريخا مكتملا متنوعا ومتناغم يتصل بحبل واحد لا يستطيع أحدا مهما كان أن يقطعه ، ويقف المصرى جاهلا بتاريخه الفرعونى الحضارى وتاريخه القبطى الدينى والوطنى المقاوم ، ويقف حائرا حول تاريخه الإسلامى وهو يقاوم محاولات إختطافه من الداخل والخارج .
……………………………………………………………………..
محاولات القطع التاريخى لحبل التاريخ المصرى المتصل لجعل المصرى يفكر بإنتقائيه يختار من التاريخ المصرى ما يناسب أفكاره ومعتقداته ويرفض آخر هى محاولات لطمس الهويه وجعل المصرى يواجه أخيه فى المعتقد الدينى والإثنى
المصرى هو نتاج الحضارة الفرعونيه ومقاومة الدين المسيحى وسيادته على كنائس الشرق وحضارة إسلاميه كان له فيها التاريخ الناصع من القيادة والتفرد !هو نتاج اللغة الهيروغليفيه والعربيه ومن التنوع الثقافى الذى لا ينكره إلا جاحد ومغرض .
………………………………………………………………..
منذ أيام جاء يزورنى بعد سنوات طويله فى مفاجأة غير متوقعه أدخلت السرور إلى قلبى ، إنه أستاذى ” فايز تكلا ”  الذى قد تجاوز الستين عاما ولكنه ما زال شابا رغم إعتلاء الشيب رأسه ، وبعيدا عن كلمات الوحدة الوطنيه المعلبه الصدأة التى تقال فى كل مناسبه فقد كان الحوار معه راقيا كعادته فى الكتابه الشعريه ، وما ان خرج من عندى على وعد بتكرار الزيارة حتى وجدت نفسى متذكرا ديوانه الشعرى الأول الذى أهدانى إياه منذ خمسة عشر عاما ممهورا بتوقيعه مصحوبا بكلمات رقيقه ووجدتنى أقرأ كلمات قصيدته الرئيسيه :
صلبونى على بابك لحظة هبوب ريحك
عصرونى فى ترابك هزمت تجريحك
لا سهم نبلك قتلنى وصلبنى كالمطاريد
لا خداع كلامك أمرنى ولا وعد بالتهديد
أشرب دموعى بفرح ولا أوفى تسبيحك
…………………………………………………………
” التاريخ يبنى من فوق يؤلفه المنتصر وينغمه القوى ويعزفه ويرقص على ألحانه الجمهور ” توصيف رائع لأحد الكتاب السياسيين الغربيين يصلح لتوصيف الحاله المصريه التى مورست ضدها محاولات مستميته للقطع التاريخى وإقناع الجمهور المصرى بأن الحقبه الحاكمه هى الخيار النهائى وأن غيرها من الحقب التاريخيه السابقه يجب شطبها ومسحها ولكن رقصات الجمهور المصرى تحت وقع عزفه الثورى المقاوم على مدار التاريخ كانت تقطع بأنه لم يستجب لتلك المحاولات عبر رقصه بمكوناته فى الميادين على أكوام الأكاذيب التاريخيه
………………………………………………………
يجب أن يفيق المصريين قبل أن ترسم لوحة عشاء آخير أخرى ليست بالقطع للسيد المسيح ولكن للتاريخ المصرى على خلفية مؤامره مكتملة الأركان لخطف الهويه المصريه ومحاولة طمس التاريخ المصرى المتصل . مصر فرعونيه مسيحيه إسلاميه عربيه يجب أن نعلم أولادنا هذا التاريخ أما غيره فهو تكريس لفكر الإرهاب والعدائيه الكريهه

2019-12-10