قراءة في محتويات جريدة التكتك!

بسيم محمد .
اذا كان لنا ، ربما ، أن نلتمس العذر للمتظاهر العادي في ضعف وعيه الذي يصور له أن عدو العراق الأول و ربما الوحيد هو ايران و ليس الولايات المتحدة (و هو ما يتم توجيهه و تغذيته بطرق و قنوات عديدة) وفقاً لما بدا لي بشكل واضح منذ بدء تظاهرات تشرين الحالية ، اقول: اذا كان من الممكن أن نلتمس العذر للمتظاهر البسيط غير المسلح بالوعي و المعلومات الكافية لكي يزن الأمور بالشكل الصحيح ، فما هو عذر المثقف-الموجّه عندما يقوم عن قصد أو غير قصد بتشويش المتظاهر و بدلاً من غلق الثغرات في وعيه ، يساهم في تأكيدها و تعميقها ؟ و ما هو الفرق اذن بين ما يقدمه هذا المثقف و بين ما يلقيه أداة كأحمد البشير مثلاً سوى افتراض حسن النية لدى الأول و انعدامها عند الأخير ؟
مثلما كان واضحاً (بالنسبة لي) اتجاه أو توجيه التظاهرات منذ بدايتها ، كان واضحاً لي كذلك اتجاه الصحيفة المعبرة عن المتظاهرين (تكتك) منذ عددها الأول ، نحو حصر كل مشاكل العراق تقريباً بايران. ليس دفاعاً عن ايران (مع أن الموضوعية و الأمانة تقتضي التمييز بين من دعمنا في قتالنا ضد داعش – على الأقل- و بين من دعم داعش ضدنا) و لكن لأن كل ما يثقل كفة سلبيات ايران ، يأخذ من و يخفف بالمقابل من كفة سلبيات الولايات المتحدة. و من اجل تكوين حكم اقرب الى الموضوعية ، فقد آثرت الانتظار و عدم تقييم الصحيفة اعتماداً على عدد أو عددين ، و هكذا ، فإن إصدار ستة اعداد منها يعد كافياً جداً (برأيي) لتكوين حكم معقول عن الاتجاه المقصود أو غير المقصود لهذه الصحيفة.
في البداية ، يمكن لأي تصفح سريع أن يعطي الانطباع عن أن الصحيفة توجه سهامها في اتجاه واحد تقريباً ، و العدد الثاني الذي قيل أنه سوف “يعدل المايلة” و يتناول في مقال كامل الدور الأمريكي ، لم يقدم سوى عمود يركز هو الآخر على ايران اكثر مما يركز على امريكا ، بينما لم نجد ذلك “المقال الكامل” الذي قيل أنه سيتناول الدور الأمريكي ، و بدلاً من ذلك ، كانت هناك صفحة كاملة تتكلم عن الدور الإيراني تحت العنوان المثير: سليماني بدلاً عن عبد المهدي لرئاسة اجتماع أمني رفيع في بغداد !
ما يؤكد ذلك الانطباع الأولي السريع أن من حاولوا دفع (تهمة) ضعف الإشارة الى الدور الأمريكي لم يجدوا ما يسعفهم للاستشهاد به غير ذلك العمود اليتيم في العدد المشار إليه أعلاه و الذي ذكر الولايات المتحدة بطريقة اقرب الى الـ”عن الحلال و الحرام” ، و صورة لرسام يقف أمام أعلام الولايات المتحدة و “إسرائيل” و السعودية و إيران مع عنوان بهذا المعنى !
و من اجل الابتعاد عن التقييم الذاتي و الذي قد يتدخل فيه (لا إرادياً) عامل الإنحياز غير الموضوعي و الإنطباع المسبق ، فكرت في عمل إحصاء “لا نضلّ بعده” استعرض فيه اولاً عدد المرات التي ورد فيها ذكر ايران و امريكا ، و ثانياً: بعد “الفحص الكمي” اقوم بفحص السياق الذي ترد فيه هاتين السيرتين العطرتين !
استخدمت من اجل البحث عن ايران الحروف (يران) التي تغطي كل المرادفات الممكنة: ايران ، إيران ، ايرانيـ(ـة) ..الخ ، و (مريك) ، (ميرك) و (ولاي) لتغطية ما يتعلق بامريكا ، فماذا وجدت ؟
ذكرت ايران بما لا يقل عن 21 مرة في كل عدد ، بينما لم يتجاوز عدد المرات التي ذكرت فيها امريكا في العدد الواحد 11 مرة ! و بالتفصيل كانت كالآتي:
العدد الأول: ايران (26) ، امريكا (5)
العدد الثاني: ايران (32) ، امريكا (11)
العدد الثالث: ايران (21) ، امريكا (11)
العدد الرابع: ايران (23) ، امريكا (7)
العدد الخامس: ايران (26) ، امريكا (7)
العدد السادس: ايران (21) ، امريكا (11)
المجموع: 150 مرة لإيران ، مقابل 58 مرة لأمريكا !
هذا ما يتعلق بالكم ، فماذا عن النوع ؟
معظم السياقات التي ذكرت فيها امريكا كانت سياقات عامة ، لا تدل على الإدانة ، فتعبير (الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003) يعد كتحصيل حاصل و تقرير لأمر مفروغ منه كقولهم: الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830 و لا يحمل اكثر مما يحمله تعبير “الحرب العراقية الايرانية” و مع ذلك سأعطي ما يكفي من الأمثلة لكي يقتنع القاريء ولو كان ذلك على حساب الإطالة ، و يمكن لمن يريد التأكد أن يراجع الأعداد التي وضعت روابطها في نهاية المنشور.
فعلى سبيل المثال ، فإن (اقسى) تعبير يخص امريكا في العدد الثاني (الافتتاحية) كان: “عصابة الإجرام التي يترأسها القاتل عادل عبد المهدي ، لا تكتفي باستقوائها بسيّدها الايراني فحسب ، بل تستثمر الصمت الاميركيّ الذي يعني موافقة ضمنية على هذه المجازر و حثاً على الإيغال بقمع الثورة الشبابية ، و ليس هذا بغريب ، فلم تكن اميركا يوماً في الخندق الذي تتمترس فيه الشعوب المطالبة بحقوقها بل كانت على الدوام تعضد الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة”. بينما كانت البقية كالاتي:
“بلغ الشباب العراقي من الوعي و الإدراك حد أن هناك حقيقة ثابتة ترسخت في عقله و وجدانه تتمثل في أن ايران و أميركا يتناوبان معاً على صنع مأساة العراق….”
“و وعي وطني لن يرتضي بعد اليوم أن يكون تابعاً لايران و أميركا معاً”
” و حين كانت تكتك في ساحة التحرير ، التقى نظوري و الذي يتحدث بحسرة و ألم و استغراب من الهجمة الإعلامية على رفاقه في ساحات التظاهر قائلاً إنهم يتهموننا بالبعثية و العمالة لأميركا…”
“نظوري يضيف فيما يخص أميركا أنها هي من اتت بالنظام و تدعمه ، مدينتي اكثر من قاومتها…”
“بدأها الصدريون حين احتجوا على الاحتلال الامريكي……”
“هتف آخر محاولاً تقوية عزيمة الشباب: همة الأمريكان ما قدروا يدخلون”
“تهدد الاحتجاجات نفوذ ايران الإقليمي في الوقت الذي تكافح فيه تحت وطأة العقوبات الأمريكية…”
“اوصي الحريصين على العراق و لبنان أن يعالجوا أعمال الشغب و انعدام الأمن الذي تسببه في بلادهم أمريكا و الكيان الصهيوني…” (كلام خامنئي).
“اتهم مستشار رئيس البرلمان الايراني ………. أمريكا و اسرائيل و السعودية…..”
تقصدت أن اذكر جميع الأمثلة لكي لا يتصور احد أني اتحيز أو اخفي شيئاً. و هذا هو الحال في بقية الأعداد ، فلا يعدو ذكر امريكا صيغ من قبيل “بعد الغزو الأمريكي في عام 2003” ، “وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول…”…الخ. و للأمانة ، فإن الحالات القليلة الوحيدة التي يرد فيها ذكر امريكا بصيغة التنديد كانت بتوقيع كاتب محدد فحسب هو (مهتدي ابو الجود) يصف فيها امريكا بـ”سيدة الخراب الأولي امريكا” و “سيدة الشر المطلق امريكا” . و يمكن للقاريء الكريم مراجعة الأعداد للتحقق مما ذكرت.
هل من الممكن الكتابة التثقيفية (التوعويّة) عن الدور الأمريكي في العراق من غير التطرق ولو لمرة واحدة الى الوجود العسكري الامريكي و القواعد العسكرية الامريكية ؟ نعم يمكن ذلك و قد حصل فعلاً في “تكتك” ! حيث تخلو أعداد الصحيفة الـ6 من أية إشارة الى تلك القواعد (عند استخدام حروف “قاعد” و “قواعد” للبحث) و للأمانة ، فقد وردت تلك الكلمات ، في السياقات الاتية:
“قواعد الاحزاب الشيعية”
“قواعده – الدستور- و شروطها”
“قاعدة صدرية”
“قواعد السير”
“قاعدة حظيرة الفخار”
“تنظيم القاعدة”
“قاعدة الشباب”
و نقرأ في العدد الخامس: “…..مستودع أسلحة داخل إحدى قواعده…” و نفكر: يا الله ، هذه قاعدة عسكرية ، ليتضح لنا أن المقصود هو قاعدة للحشد الشعبي نقلاً عن المسؤول في الحشد ابو آلاء الولائي و ليس ، لا قدر الله ، قاعدة عسكرية أمريكية !
كان هذا فيما يخص الولايات المتحدة ، فماذا عن الكيان الصهيوني (“اسرائيل”) التي لم يمضي سوى اسابيع قليلة على قصفها المتكرر للعراق ؟ اذا غاب عن المتظاهر البسيط الدور و الوجود الامريكي و قواعده العسكرية الست او السبع ، و اذا غاب عنه كذلك الوعي بخطر الكيان الصهيوني في ظل التضليل الإعلامي الممنهج و المروج للتطبيع ، فهل يجوز ان يغيب ذلك عن سطور صحيفة الانتفاضة التي يفترض بها أن تسد هذا النقص في وعي المتظاهر ؟ هل ذكرت “اسرائيل” في اعداد الصحيفة الستة ؟ لنرى (استخدمت الحروف “سرائيل” و “صهيو” للبحث):
العدد الأول: لا شيء !
العدد الثاني: مرتان … احداهما اقتباس لكلام خامنئي في المقال عن سليماني: “اوصي الحريصين ………………..الذي تسببه في بلادهم امريكا و الكيان الصهيوني” و الثانية: “اتهم مستشار رئيس البرلمان الايراني ………. امريكا و اسرائيل….” و الحالتين اقتباس لكلام مسؤولين ايرانيين ، و ناقل الكفر ليس بكافر !
العدد الثالث: لا شيء !
العدد الرابع: لا شيء !
العدد الخامس: كما في الحالة السابقة ، ذكرت “اسرائيل” نقلاً عن تصريحات ، الأول للحكومة “و مع أنهم صرحوا لاحقاً أنهم اكتشفوا منذ زمن بعيد وجود مؤامرة خفية للولايات المتحدة و اسرائيل…” و الثاني للمسؤول الحشدي آنف الذكر ابو آلاء الولائي فيما يخص الهجوم على قاعدة الحشد.
العدد السادس: متفرقات ، عن انتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي بسبب رؤيته الجنود “الاسرائيليين” و هم يدخلون بيروت ، و وصف القنوات العراقية الحزبية للتظاهرات بأنها بعثية و موجهة من قبل الموساد الاسرائيلي ، و وردت كذلك مرتين في مقالة لشاكر نوري عن “فن الجرافيتي في ساحة التحرير” في سياق الكلام عن استخدام الجدران لهذا النوع من الرسم مثل جدار برلين و الجدار العازل “الاسرائيلي”. و بالمناسبة: هل تعرفون الداعشي د. شاكر نوري ؟ و الإشارة الأخيرة هي اللوحة المذكورة آنفاً للرسام مع عنوان: منتفضو تشرين يرسمون موقفهم .. لا أمريكا لا إسرائيل .. لا سعودية لا إيران” و التي كما ذكرت ، لم يجد المدافعون عن الصحيفة غير هذه الصورة و ذلك العمود لتبرئة الذمة و التطرق لامريكا بطريقة الـ”عن الحلال و الحرام” و “كفيان شر ملا عليوي” ، للقول أن الصحيفة لم تهمل الإشارة الى الدور الأمريكي في الخراب العراقي !
روابط اعداد “تكتك”:
العدد الأول:
https://docdro.id/Jl8M847…
العدد الثاني:
https://docdro.id/fvHD4q7…
العدد الثالث:
https://docdro.id/oIK9R67…
العدد الرابع:
https://docdro.id/YDb8pDK…
العدد الخامس:
https://docdro.id/hVPlTHf…
العدد السادس:
https://docdro.id/e0GXmbZ

Bilden kan innehålla: 1 person, text

‎2019-‎11-‎28