عن بوليفيا وموراليس.. العنصرية الأميركية خارج حدودها!
محمد فرج.
يشكِّل إيفو موراليس نموذجاً لليسار الجذري في القارة ( لقد ظهر ذلك حتى في سياساته المالية القائمة على تجنّب الدولَرة في الاقتصاد “de dollarization” )، ولا بد~ – من جهة المصالح الأميركية – أن يتم كَسْر هذا النموذج، غير الطيّع أبداً، والذي يبعث بخيالات نماذج مُشابهة مثل هوغو وفيديل.
سبَّبت استقالة الرئيس اليساري العنيد في بوليفيا، إيفو موراليس، صدمة للقارة اللاتينية، ولأنصار اليسار اللاتيني في العالم، وباختصار كان السؤال الأكثر إلحاحاً، كيف حدث ذلك بكل بساطة وسرعة هكذا ؟.
عن مسيرة السكان الأصليين في بوليفيا
ثلاث محطات رئيسية على مدار خمسة قرون عاشها السكان الأصليون في بوليفيا (البلد الذي يضمّ النسبة الأكبر مما تبقّى منهم في أميركا اللاتينية)؛ الأولى كانت عبر قوانين العبودية التي فرضها الاستعمار الإسباني، باعتبارهم كائنات همجية لا يمكن دمجها في أيّ مشروع حضاري، وبهذا المعنى شرَّع الاستعمار قوانين استخدامهم في أراضي اللوردات مقابل بقائهم على قَيْدِ الحياة!.
بعد مئات السنوات من نضالهم، مكَّنهم الدستور الجديد بعد حروب الاستقلال في القرن التاسع عشر، من إمكانية التحوّل من قانون الاستعمار العبودي، إلى طبقةٍ جديدةٍ (البنواهي)، حيث سمح لهم باستخدام معدّاتهم الخاصة في أراضي النُخبة البيضاء، والحصول على نسبةٍ ضئيلةٍ من المحصول. كما أن الدستور الجديد منحهم حق “الصوت المؤهّل”، أيّ حق التصويت لمَن يستطيع القراءة والكتابة والعمل.
في المرحلة الثالثة وبعد الثورة الوطنية في بوليفيا عام 1952م، تمّ إلغاء (البنواهي)، ومنح السكان الحق في زراعة الأراضي وتسويق منتجاتها من دون الحق في ملكيّتها (ومع ذلك بقي السكان الأصليون يفتقدون أراضيهم التي صادرها الاستعمار)، وتمّ إلغاء قانون الصوت المؤهّل ( ومع ذلك لم يتمّ تمثيلهم سياسياً ضمن قانون انتخابي يمنعهم من الوصول وأحزاب تقليدية تحت احتكار “النُخبة المُثقّفة البيضاء” ).
حتى عام 1997م، لم يعبر أكثر من 6% من الكونغرس في بوليفيا، ليتمكّنوا من تمثيل 62% من مجموع مواطني الدولة. وحده إيفو موراليس وحزبه مَن تمكَّن من قلب الطاولة، مُتجاوزاً المُطالبة بالتمثيل السياسي المحدود إلى العمل الجدّي على استلام السلطة.
الخصخصة كمحطّة فارِقة دائماً
كانت موجة الخصخصة التي تعرَّضت لها بوليفيا في عقدي الثمانينات والتسعينات، شرارة حقيقية لاستنهاض السكان الأصليين في استرداد ثرواتهم. كان الاستيلاء على المناجم، وحرمانهم من مردودها، وخصخصة قطاع المياه عبر الشركات الفرنسية التي حجبت المياه عن سكان الأرياف (كما عرضت المخرجة الإسبانية إيسار بوليان في فيلمها “حتى المطر”)، ومحاصرة المزارعين، كل ذلك أدّى إلى اعتصاماتٍ واحتجاجاتٍ لم تتوقّف في بوليفيا منذ 1991م إلى 2006م.
ازدادت الهجرات، وانقلبت النسبة الديمغرافية بين سكان المدن والأرياف، حيث ارتفعت نسبة سكان المدن من 35% إلى 65% سببها لجوء السكان الأصليين إلى المدن للقدرة على العيش، حيث تمّ تهميشهم، ومنعهم من التملّك.
التهميش في المدينة والريف، وانخفاض التمثيل السياسي للأغلبية الساحِقة من المواطنين، والخصخصة، وحَجْب المياه، وحَجْب زراعة الكوكا لصالح تجار الولايات المتحدة، وصعود حركات اجتماعية جديدة كسرت احتكار الأحزاب التقليدية، كل ذلك حمل موراليس إلى القصر الجمهوري عام 2006م، كأول رئيس للدولة ينتمي إلى المُهمَّشين!.

ماذا فعل موراليس بالضبط ؟
لم يُخفِ موراليس في خطابه الأول بعد الوصول إلى السلطة إعجابه بفيديل كاسترو وهوغو تشافيز، بذلك العنوان وبإسم حزبه “الحركة نحو الاشتراكية”، أصبح من الممكن تحديد ملامِح الخطة التي سيرسمها الرجل، ومدى جذرية الإجراءات التي سيتّخذها.
انخفضت نسبة الفقر في بوليفيا من 59% عام 2006م إلى 21% عام 2012م، ولم ينزلق ميزان المدفوعات في الدولة إلى السالِب – لو مرة واحدة – حتى عام 2014م. تمّ تأميم المناجم، ومُخالفة الاتفاقية مع البنك الدولي التي أبرمها الرئيس السابق، وبذلك استطاعت الدولة تأمين 4.95 مليار كمردودٍ من الهيدروكربونات بدلاً من 371 مليوناً في عهد اتفاقية البنك الدولي. تمّ توزيع 3 ملايين هكتار من الأراضي على 56000 عائلة، وحصدت بالمُجمل 75 مليون هكتار من الأراضي بعد أن كانت 66% من الأراضي مملوكة ل 0.63% فقط.
مع كل ذلك وما رافقه من مشاريع في التعليم والصحة والزراعة والمناجم، ما الذي حدث إذن؟>

كيف سقط الرئيس “بكل بساطة”؟.
يعاني التمدّد الأميركي في العالم من صعوباتٍ بالغة “عبء التوسّع الامبراطوري”، بمعنى أنها تخسر الأسواق في الشرق الأوسط لصالح العملاق الاقتصادي الصينيي، وتصطدم بالقوّة العسكرية الروسية التي تمنع حرية الحركة للعسكرية الأميركية، كما أن الولايات المتحدة وفَّرت من النفط ما يسمح لها بتصديره الآن، ما يُقلّل نسبياً من اهتمامها به كسلعةٍ استراتيجية، وبذلك، تصبح أميركا اللاتينية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الساحة التي لا يمكن التفريط بها في مرحلة الانحسار والتراجُع، وهذا يُفسّر الشراسة في تبديل نظام الحُكم في البرازيل، وتقديم الدعم المُطلَق لماكري في الأرجنتين، والدعم المفتوح للمُعارضة الفنزويلية بعد حصار البلد اقتصادياً، وتصنيع حال من التضخّم فيه.
يشكِّل إيفو موراليس نموذجاً لليسار الجذري في القارة ( لقد ظهر ذلك حتى في سياساته المالية القائمة على تجنّب الدولَرة في الاقتصاد “de dollarization” )، ولا بد – من جهة المصالح الأميركية – أن يتم كَسْر هذا النموذج، غير الطيّع أبداً، والذي يبعث بخيالات نماذج مُشابهة مثل هوغو وفيديل.
طريق العقوبات الاقتصادية الذي اتبّع مع فنزويلا، لا ينفع كثيراً في الحال البوليفية، فما يلزم بوليفيا هو تصدير مُنتجات مُحدَّدة إلى جهات مُحدَّدة لتلبية حاجات 10 ملايين مواطن، وهي أقل انفتاحاً على السوق العالمي من فنزويلا. وبذلك كان لا بد من نَبْشِ دفاتر التاريخ القديمة، وتنفيذ السياسة الأسرع في إسقاط الأنظمة المقاوِمة، وهي الانقلابات العسكرية.
لم تتعرّض بوليفيا مع موراليس لاعتصامات ضد الفقر، وإنما لمُطالبات بعدم التمديد للرئيس، وهذه تمثّل مُطالبات الطبقة الوسطى العُليا، وأصحاب المصالح التجارية التي أوقفت المنظومة الاشتراكية المُبالِغة في ثرائها لصالح الشريحة الأوسع من المُهمَّشين والفقراء.
الثغرة في الجيش البوليفي كانت ممكنة، ولا سيما عبر وزير الدفاع الذي أمضى أكثر من 9 سنوات في الولايات المتحدة الأميركية. لقد كان الاعتماد على الجيش وحده (من دون تأسيس هيئات سياسية ذات صلاحيات عُليا)، والتأخّر في دعوة الناس إلى الشارع عاملين رئيسيين في السقوط السريع (على عكس ما فعلته دعوة مادورو للمؤيّدين للنزول إلى الشارع، عند إعلان غوايدو نفسه رئيساً لفنزويلا، وكانت جموع المؤيّدين هي حائِط الصدّ الأول في وجه غوايدو إذا حاول الوصول إلى القصر الجمهوري، فكذلك كان الجيش).
ثغرة في الجيش البوليفي، تزيّنها تظاهرات عابرة لأصحاب المصالح التجارية، أسقطت حكماً عنيداً استمر في تجربته 13 عاماً… نعم، هكذا ببساطة!.
إن أميركا، وإضافة إلى شراستها في حماية مشاريع النَهْب والهيمنة (الليثيوم هو أبرزها في الحال البوليفية الآن)، تضيق ذرعاً أن يستمر السكان الأصليون في حُكم أنفسهم على حدودها، فهي لا ترغب في سداد دَينها التاريخي!.
‎2019-‎11-‎19