لبنان.. نعم للحراك.. ولكن سلاحُ المُقاومة خطٌّ أحمرٌ!
زهير أندراوس.
لا يختلِف عاقلان على أنّ مقولة كارل ماركس كانت وما زالت وستبقى صحيحةً بكلّ الأزمان: “في كلّ مُجتمعٍ ما يكفيه من الثروات”. السؤال: مَنْ يُقسِّم الثروات؟ والسؤال الذي يُستنبط من الأوّل: هل يُمكِن تقسيم الثروات بشكلٍ عادلٍ في حقبة تغوّل رأس المال الوحشيّ والعولمة، من ناحية؟ وعدم وصول الدول العربيّة، حتى اللحظة، إلى مقام الدولة الوطنيّة، من الجهة الأخرى؟
***
مع الإقرار بعدل وصدق المطالِب التي طرحها وما زال الحراك يعرِضها في لبنان، إلّا أنّه يجب التنويه بأنّ هذا الحراك يضم أحزابًا مشبوهةً وتطبيعيةً، وهذه الأحزاب هي التي أقامت وبشكلٍ علنيٍّ علاقاتٍ مع كيان الاحتلال الإسرائيليّ منذ العام 1982 وبشكلٍ مُتزامنٍ مع مجزرة صبرا وشاتيلا، وتوقيع اتفاق السلام بين الـ”رئيس” اللبنانيّ آنذاك، بشير الجميّل، وكيان الاحتلال، بالإضافة إلى تفريخات الكتائب مثل القوّات اللبنانيّة، وزعيمها سمير جعجع، وكذلك الحزب التقدميّ الاشتراكيّ، بقيادة وليد جنبلاط الذي يتنقّل من السلطة إلى الحراك ويعود، وهكذا دواليك.
***
لا نُريد أنْ نُجافي الحقيقة، ولا نرغب في جعلها فاتنةً، لأنّ جميع مساحيق التجميل لا تنفع في هذا السياق، لذا نجزِم ونفصِل في الوقت عينه ونقول بالفم الملآن: صحيح أنّ مطالب الناس العاديّة مُحِّقة، ومن واجبهم الإصرار على البقاء في الشارع، ولكن لا بُدّ من الفرز بحيث يتمترس مَنْ يُطالِب بحقّ العمل والعيش الكريم في موقعٍ لا تتواجد فيه القوى الفاشيّة والتطبيعيّة والإقليميّة وغير العروبيّة، وعندما يتّم التمترس يُمكِنه فرز ممثليه والتوجّه لتحدّي السلطة البرجوازيّة الكمبرادوريّة المضارباتيّة، وهناك سوف تتقاطَع مع موقف “حزب الله” ليتّم التحالف بين قوّة التنميّة بالحماية الشعبيّة وبين المقاومة الوطنيّة.
***
وغنيٌّ عن القول إنّ موقفنا بدون رتوشٍ يؤكّد المؤكَّد: نحن نؤيّد حقّ الشعوب في الحُريّة وتقسيم الموارد والمُقتدرات التي تملكها الدولة بعدلٍ وإنصافٍ، شريطة أنْ يكون الحراك نابعًا من مُنطلقاتٍ وطنيّةٍ حقيقيّةٍ، وليس مُرتبِطًا، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، بأجنداتٍ خارجيّةٍ، وبالتالي فإنّ قطع الطُرُق في لبنان، كما فعل الحراك في عددٍ من المناطق ببلاد الأرز، يقع ضمن شدَّ حبال تشكيل الحكومة وليس لتحقيق مطالبٍ معيشيّةٍ، وهذا سيزيد الوضع المعيشيّ سوءًا، وليس العكس، وهنا وَجَبَ تذكير أصحاب الذاكرة الانتقائيّة أوْ القصيرة بأنّ الدستور اللبنانيّ حصر الدعوة للاستشارات برئيس البلاد، وهو لن يفعل ذلك تحت ضغط قطع الطرقات، وبالتالي نعتقِد أنّه يتحتّم على المُحتّجين والمُتظاهرين أنْ يكونوا حيث يجب أنْ يكونوا: عند عتبة حيتان المال، أمّا الاستقواء بقطع الطرق، فإنّه لن يُولِّد إلّا الغضب المُضّاد، ولن يقود إلى النتائج المرجوّة من الحراك.
***
مُضافًا إلى ما ذُكر آنفًا، يتحتَّم علينا اللجوء مرّةً أخرى إلى سلاح حزب الله، سلاح المُقاومة في لبنان، والذي باعترافٍ إسرائيليٍّ رسميٍّ بات يُشكِّل تهديدًا إستراتيجيًا، إنْ لم يكُن وجوديًا على كيان الاحتلال: على الرغم من المُحاولات المُتكرّرّة من طرفنا لم نجِد أيّ علاقةٍ بين سلاح المُقاومة والمُطالبة بنزعه وبين الوضع الاقتصاديّ السيئ للشرائح الضعيفة في لبنان، كما أنّ الطرح القاضي بنزع سلاح المُقاومة، يتماشى ويتماهى للأسف الشديد مع المواقف الصهيونيّة المُعلنة، التي تؤكِّد أنّها تعمل بدون كللٍ أوْ مللٍ لإقناع الدول المانِحة باشتراط دعم لبنان بنزع سلاح حزب الله، كما أنّ هذا الموقِف هو الموقِف غيرُ المُعلَن للسعوديّة، التي تصول وتجول في لبنان، ضمن المؤامرات التي يقوم بها نظام آل سعود في كلّ دولةٍ بالوطن العربيّ، من مُنطلَق ارتباطه العضويّ مع أمريكا وحاكمها، المعتوه ترامب، كما أنّ الرياض ترتبِط مع تل أبيب بعلاقاتٍ “سريّةٍ” (!)، ولذا لا نتجنّى على أحدٍ إذا افترضنا جدلاً بأنّ الحراك ربمّا يكون ثمرة مُخططٍ أمريكيٍّ-صهيونيٍّ ورجعيٍّ عربيِّ لـ”تحرير” الكيان من تهديد حزب الله، المدعوم من الجمهوريّة الإسلاميّة بإيران، وطبعًا بدون معرفة المُحتجّين والمُتظاهرين، كما أنّه يجِب التذكير في هذا المقام بأنّ دول ما يُطلَق عليه “مجلس التعاون الخليجيّ” اتخذت قرارًا في العام 2016 يعتبِر حزب الله تنظيمًا إرهابيًا، كما فعلت جامعة الدول العربيّة، إذن، نحن أمام تساوقٍ في المواقِف بين إسرائيل، أمريكا والرجعيّة العربيّة فيما يتعلّق بحزب الله وبكلّ حركة مُقاومةٍ في الوطن العربيّ، ومن هنا نسأل: لماذا التشديد من قبل البعض الكثير من الـ”حراكيين” على نزع سلاح حزب الله؟ أليس هذا المطلب قد يُفسِّر على أنّه يندرِج في إطار مُساعدة الكيان ورأس الأفعى، الولايات المُتحدّة، في التخلّص من كلّ ما يُهدِّد أمن الدولة العبريّة؟ ونرى أنّه من المُفيد التذكير بمقولة القائِد، المُعلِّم والمُلهِم، الراحل جمال عبد الناصر: “حُكّام الخليج هم الوجه الآخر للاستعمار ولا بُدَّ من اجتثاثهم”.
***
الحراك، باعتقادنا المُتواضِع جدًا، هو حراكٌ صحيٌّ من أجل استرداد الأموال المنهوبة من الشعب العربيّ-اللبنانيّ، ومُحاكمة حيتان رؤوس المال الذين قاموا على مدار سنواتٍ طويلةٍ بإهدار المال العّام وجمع الثروات الطائلة بصورةٍ غيرُ مشروعةٍ، لذا يتوجَّب على مُحرِّكي الحراك انتخاب هيئة تُمثله ومطالبه، وتُعلِن بشكلٍ غيرُ قابلٍ للتأويل بأنّ الحراك براء وفي حلٍّ من الأجندات الخارجيّة، التي تُريد للبنان ما فعلته في سوريّة، وفي كلّ دولةٍ عربيّةٍ ضمن المُخطّط الإمبرياليّ المُسّمى: “الشرق الأوسط الجديد”، وبالتالي يتعيَّن عليهم تبنّي الشعار: نعم لمُحاكمة لصوص المال، نعم لتقسيم ثروة لبنان بشكلٍ عادلٍ، لا للأجندات الخارجيّة التي تعمل من أجل تقسيم لبنان على أسس طائفيّةٍ مذهبيّةٍ وعرقيّةٍ وما إلى ذلك من مُصطلحاتٍ يعُجّ فيها مُعجم أعداء الأمّة العربيّة، نعم لسلاح المُقاومة، الذي كان ويجِب أنْ يبقى بمثابة خطٍّ أحمرٍ، وحذارِ، ومرّةً أخرى حذارِ، يا أخواتي وأخوتي في لبنان، حذارِ من عودة الحرب الأهليّة، كما يُخطّط أعداء بلاد الأرز من العرب والغرب.
كاتبٌ عربيٌّ من فلسطين
‎2019-‎11-‎08