الإستراتيجيات الأمريكية – التركية المتغيرة في الشمال السوري!

ربى يوسف شاهين*
نتابع عن كثب انتصارات الجيش السوري ميدانياً، والحليف الروسي سياسياً، على اعتبار أن القيادة الروسية هي الوسيط بين الطرفين التركي والأمريكي، لجهة الملف السوري حيث أن ما نتج من مباحثات بين الرئيسين الروسي، فلاديمير بوتين، والتركي، رجب طيب أردوغان، في اجتماعهم الأخير في سوتشي، تاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول 2019، حول التفاهمات في منطقة الشمال الشرقي من سوريا، يؤكد أن الطرف الروسي استطاع أن يحافظ على وتيرة النهج السياسي المتبع في التعامل مع تركيا متوازناً لمنع ارتفاع حدة التوترات على الساحة السورية.
إن اللغة السياسية للقيادة السورية، منذ بداية الحرب على سوريا، أكدت وحرصت على اقتلاع الإرهاب من جذوره من كل بقعة سورية، فكان للتحالف الثلاثي السوري – الروسي – الإيراني الدور الكبير في الوصول إلى خواتيم هذه الحرب، والقضاء على أكبر الملفات التي حيكت ضد الجمهورية العربية السورية. وقد بدا شمال شرق سوريا هو الجزء الأهم أمريكياً وتركياً، ليكون ورقة استغلال في إطالة أمد الحرب، وذلك لعدة أسباب هي كالتالي:
لا تنفصل المناطق السورية بالأهمية عن بعضها البعض في المخطط المرسوم أمريكياً وتركياً، لتكوين بؤر إرهابية. إلا أن مسألة الإستمرار في التثبيت لهم هي المعضلة في ذلك حيث أن المقاومة، التي واجهتها هذه الفصائل المسلحة في العمق السوري شعباً وقيادة، أجبرت الدول الغربية المتآمرة على تغيير استراتيجيتها وتعزيز تواجدها في الجغرافية السورية. فقد أُريد لتفاهمات “سوتشي” وإتفاقيات مناطق خفض التصعيد أن تكون مساحة يُمكن من خلالها، لكل من أنقرة وواشنطن، المناورة سياسياً وعسكرياً. وعلى الرغم من ذلك، استطاعت القيادة السورية، سياسياً وعسكرياً أيضاً، كسر طوق الإرهاب والوصول إلى مشارف إدلب، فضلاً عن الإنتشار في شمال شرقي البلاد.
لم تستطع التنظيمات الإرهابية حماية المناطق التي تفصلهم عن مناطق انتشار الجيش السوري، كبلدة كفرنبوذة واللطامنة وجبل المضيق وخان شيخون، مع كل تقدم يحققه الجيش السوري، وخاصة في منطقة الريف الشمالي لمدينة حماة حيث بدأت هذه الفصائل بخسارة مواقعها تباعاً، والتي أُعدت لتكون مركزاً تواجد إرهابيي العالم في إدلب. هذا الأمر شكل ضعفاً في مناطقهم، التي يعدونها استراتيجية لمنع تقدم الجيش السوري؛ وعليه، فقد كانت المخططات الأمريكية والتركية تتغير وفق خارطة العمل العسكري المتغيرة لصالح الجيش السوري.
محاولة الرئيس أردوغان حماية ما حققه في عمليتي “درع الفرات”، 2016، و”غصن الزيتون”، 2108، والتي احتل بهما مدنتي عفرين والباب، متذرعاً بمسألة الأمن القومي التركي، لتثبيت أدواته الإرهابية، وتحقيق مخططه العثماني المنشود.
إشكالية الملف الكردي ومناطق تواجدهم في شمال شرق سوريا، حيث أن واشنطن وأنقرة تقاذفتا ذرائع هذا الملف. فلقد تذرعت تركيا بتقديم واشنطن الدعم اللوجستي والعسكري لقوات سوريا الديمقراطية – “قسد” لتمكينهم من تحقيق فكرة الإنفصال، في حين إتخذت الولايات المتحدة من الكرد “أداة” للتموضع في المناطق الشمالية الشرقية في سوريا، والقريبة من أدواتها في العراق، مستغلة بذلك مسألة مكافحة الإرهاب.
إلا أن الإنسحاب العسكري الأمريكي الأخير والتخلي عن الكرد السوريين، قلب الموازين لمصلحة الدولة السورية والكرد أيضاً بوساطة روسية من خلال ما يجري من انتشار للجيش العربي السوري في مناطق الجزيرة.
5. المنهجية السياسية التي تتبعها الولايات المتحدة، والتي تأخذ شكل لعبة شد الحبل مع الكرد السوريين، في إعادة قواتها إلى المناطق التي يتواجد فيها النفط السوري، فتصريح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يؤكد إعادة التموضع في منطقة الشمال الشرقي بغية إحداث تجاذبات سياسية تعقد جملة التفاهمات التي تم التوصل إليها. فقد جدد الرئيس ترامب قوله إنه سيحتفظ بالنفط الموجود في مناطق شرق الفرات شمالي سوريا، وسيعمل على توزيعه.

إعادة انتشار القوات الأمريكية في قاعدة الجزرة، في مدينة الرقة، بعد الإنسحاب منها يؤكد على أن المهمة التي يتولاها الجيش الأمريكي في المنطقة فيما يخض التذرع بمحاربة التنظيمات الإرهابية ما زال قائماً، واحتمال استغلال مسألة مقتل زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، أبو بكر البغدادي وإعلان التنظيم عن تعيين ابو ابراهيم الهاشمي القرشي الملقب بـ “المدمر”، سبباً لإمكانية عودة انتشار التنظيم مجدداً بالتزامن مع عملية “نبع السلام”، التي يقودها الرئيس أردوغان، والتي نتج عنها هروب لأفراد “داعش” من سجون ميليشيات “قسد”، كما صرحت الإدارة الذاتية للكرد. ففي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أعلنت “قسد” عن فرار 500 من معتقلي التنظيم من أحد السجون التي تديرها وذلك بعد سقوط قذائف على أطرافه، مصدرها الجانب التركي، في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا.
انتصار القيادة والجيش السوري، والحليفين الروسي والإيراني، في الحرب على سوريا سياسياً وعسكرياً، خلال السنوات المنصرمة، ما يعد عاملاً جوهرياً وأساسياً لزيادة الإحتقان السياسي الدولي والإقليمي في مناطق شمال شرق سوريا، حيث بؤرة المشاريع الأمريكية – التركية.
على الجانب الآخر، من المؤكد أن المقابلة الأخيرة للرئيس السوري، بشار الأسد، وما أكد عليه من الإصرار على أن سيادة الدولة ستشمل كامل الارض السورية وإن طال الزمن. وما بدأه من انتصار دولي على 80 دولة، سيعمدون على إعادة عقارب الساعة إلى النقطة الأهم، في العام 2014، حيث تكاثفت التنظيمات الإرهابية وحشدت الدول الدولية والإقليمية جُلّ قوتها، السياسية والعسكرية، كما حدث في حمص والغوطة ودوما وحلب، من نهب وقتل وتموضع فصائل، واستخدام للكيماوي وتدمير للبنى التحتية.
الواضح مما سبق بأن الإستراتيجيات المُتغيرة لقوى العدوان على سوريا، في مناطق الشمال الشرقي من الجغرافية السورية، يؤكد بأن قوة الميدان تنعكس استراتيجيات سياسية، وفي جانب آخر عسكرية. فقد تمكنت الدولة السورية من توجيه بوصلة هذه القوى المتآمرة عليها إلى استراتيجيات تتناسب والمنطق العسكري الذي يهندسه الجيش السوري في تلك المناطق.
من هنا بات واضحاً، أن الدولة السورية وحلفاءها تمكنوا من صوغ المعادلات السياسية والعسكرية بما يتناسب وطبيعة الوقائع والمعطيات المتغيرة، وتحديداً في شمال شرق سوريا.
*كاتبة وإعلامية سورية
‎2019-‎11-‎08