مصادر قوة «داعش»: تهافت النظام المضروب بالطائفية

 

طلال سلمان


قبل أيام، جمعنا لقاء مميز بالدكتور المهندس محمد شحرور، أحد أبرز العلماء المجتهدين في إعادة تفسير النص القرآني بمضمونه الحقيقي ودلالاته الفعلية، كما يفهمها فيقبلها أي عالِم مستنير، اليوم، وبعد ألف وأربعمئة وست وثلاثين سنة على نزوله على النبي العربي محمد بن عبدالله.
ولقد عوّدنا هذا الباحث الدمشقي المجتهد على مثل هذا اللقاء كلما أوصلته أبحاثه ودراساته المعمقة وبحثه في الموروث من كتابات السلف الصالح والمناقشات المفتوحة بعد ـ في رأيه ـ على الحوار والاجتهاد في التفسير لتحرير النص المقدس من التفسيرات الآلية أو المرتجلة أو تلك التي تجمدت في مقولات الأولين، فيجري تداولها وكأنها أحكام مبرمة لا تقبل الرد أو حتى المناقشة.


مع نهاية اللقاء، تعاظم خوفنا على هذا العالِم المجتهد الذي يجيء في زمن الإظلام بالأمر والتجهيل بحد السيف والتكفير القاتل لأهل الإسلام الذين قد يختلفون في التفسير، أو قد يجتهدون فيصيبون أو يخطئون، ولكن منطلقهم حفظ قداسة الرسالة من التشويه المتعمد بالجهل أو بالغرض أو بالتعصب الأعمى الذي يؤذي المسلمين في دينهم، ويؤذيهم أكثر في دنياهم.


«الداعشي» هو وحده صحيح الإسلام، ومن تبقى من المسلمين إما غارقون في وهدة الكفر وإما انهم مضللون أخذوا بعيدا عن الدين بأصله ولا بد من إعادتهم إلى حومته، وأما أهل الكفر من الشيعة والمذاهب والبدع الأخرى فلهم السيف: «فالرافضة طائفة شرك ورِدة، بل كفر، وردة الكافر بالتحاكم إلى شرع الله وحده. العلمانية على اختلاف راياتها وتنوع مذاهبها كالقومية والوطنية والشيوعية والبعثية هي كفر مناقض للإسلام فخروج من الملة..».
هذا في «النظري»، أما في «العملي» فإن الأوضاع التي كانت سائدة في عراق ما بعد جلاء قوات الاحتلال الأميركي عنه، قد شكلت نوعاً من التمهيد لما نشهده هذه الأيام. فقد تمّ تخريب بنية الدولة وحل الجيش وتعميق عوامل الفتنة بين السنة والشيعة من خلال تصوير خلع نظام صدام حسين وكأنه الفرصة القدرية لنيل الشيعة حقوقهم التي كانوا محرومين منها منذ إقامة «الدولة» وتنصيب الملك الهاشمي فيصل بن الشريف حسين عليها في العشرينيات من القرن الماضي.


ومن أسف، فإن من تولى السلطة في بغداد وريثاً لنظام صدام قد مارس النهج ذاته مقلوباً، وسط بحر من الفساد والإفساد الذي يتجاوز أي تقدير.

وهكذا، فقد تم التنكيل بالقيادات السابقة للجيش، فأُبعد كبار الضباط والمؤهلون وأصحاب الخبرة تماما عن السلطة التي أغرقها من سُلّمت إليهم بالفساد المريع: نُهبت موارد العراق، وتم توزيع الثروة انتقائياً وعلى قاعدة المحاصصة بين من تولوا مقاليد الحكم.


انقلبت الآية واختلفت الأدوار: صارت «النخبة» المتحكمة بالقرار ـ والمنافع ـ شيعية (مع إسناد كردي بالمحاصصة)، وتم تعيين من حضر من الضباط المهمشين ـ أزلام السلطة الجديدة في مواقع قيادية لا يستحقونها، واستُبعدت «الصحوات» التي أنشأها أو نظمها الأميركيون لتكون «الرديف السني» للجيش، الذي غدا شيعياً الآن، عن القرار.


وهكذا تم استيلاد بيئة معادية للسلطة، على أتم الاستعداد لقبول أي وافد جديد يستنفر عصبيتها الطائفية وشعورها بالتهميش وواقع إذلالها بالفقر والاستبعاد عن مركز القرار.


لذلك أمكن لتنظيم «القاعدة»، بداية، وضمن حدود معينة، أن يجد بيئة حاضنة في «المناطق السنية» في العراق، خصوصاً وقد جاء تحت راية الدعوة لقتال الاحتلال الأميركي. فهذا القتال كان الذريعة التي يسّرت لطوابير من الإسلاميين في سوريا (والخارج) أن يتوجهوا بعلم النظام في دمشق وبفضل تسهيلات خاصة تم توفيرها لهم، فيقطعوا الحدود الشاسعة وشبه الصحراوية بين البلدين الشقيقين، لكي ينالوا حقهم من «الجهاد ضد الكفار» ممثلين بجنود الاحتلال الأميركي.


وبالتأكيد، فإن «إسلاميين» آخرين قد ذهبوا إلى «الجهاد» في العراق، حيث كان قد وقع انشقاق تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» عن «القاعدة»، مندفعين بتركيزهم على «الظلامة السنية»، مسقطين الحدود بين الدولتين العراقية والسورية.


كانت بغداد مشغولة بصراع أهل السلطة على المكاسب والمنافع، المتكئين على تحالف/ تواطؤ ضمني بين واشنطن وطهران. فيما كان من صاروا قياديين لداعش في ما بعد، وبينهم نسبة كبيرة من الضباط السابقين في الجيش العراقي، يتوزعون بين المعتقلات والسجون (وبصفة خاصة في سجن أبو غريب) والبطالة والرواتب الضئيلة يتجولون بين المدن والبلدات السنية يجمعون الغاضبين لظلمهم (الذي يسهل نسبته إلى كونهم من «أهل السنة»)، ويستعينون بالأكفاء من هؤلاء الضباط الذين أوفدهم صدام حسين إلى حرب السبع سنوات ضد إيران ـ الثورة الإسلامية ـ ثم وقبل أن ينالوا قسطاً من الراحة، عاد فأوفدهم إلى «غزوة» احتلال الكويت بسبب تنكّر دول الجزيرة والخليج لتعهداتها، وهي التي حرّضته على مهاجمة إيران مع وعود مغرية بالتمويل وإعادة بناء ما تهدم في العراق، فلما أخلفت وعدها قام بغزوته. وفي الكويت لحقت هزيمة نكراء بالجيش العراقي الذي وجد نفسه في مواجهة تحالف دولي يضم إلى الجيوش الأميركية ـ بحراً وبراً وجواً ـ قوات مقاتلة من دول «حلف الأطلسي»، مع «نخب» مختارة من الجيوش العربية الأقوى: مصر وسوريا، جاءت تقاتله في إطار «التحالف الدولي لتحرير الكويت»!


على هذا يمكن القول إن تنظيم «داعش» لم يحقق نصراً مدوّياً في غزوته العراق، واحتلاله العاصمة الثانية ذات المليوني نسمة (مع ريفها) الموصل، بقوة «جيشه» الذي قطع مئات الكيلومترات في أرض مكشوفة بالسيارات اليابانية التي كانت «مدنية» فزوّدها بآلة الحرب (مدافع وصواريخ ورشاشات ثقيلة).. بل هو قد تقدم ليتسلم هذه المدينة ذات الموقع الإستراتيجي الخطير، بلا قتال!


لقد سلّم الجيش العراقي الموجود في المدينة ومحيطها من دون أن يطلق رصاصة واحدة: أكثر من خمسين ألف جندي معززين بالدبابات والمصفحات والمدفعية وسائر عدة الحرب، خلعوا ملابسهم العسكرية، وتركوا آلياتهم سليمة وكذلك مخازن الذخيرة، وانسحبوا عشوائياً ليدخل «الخليفة» منتصراً بغير قتال، متقدماً إلى مسجدها الكبير ليعلن انتصار دعوته بخطبة عصماء، تفيد أن هذا «المجاهد» السابق لم يهدر وقته قبل السجن وفيه وبعده، بل عمل جاهداً لتصفية منافسيه وربط الأنصار والموالين من أهل السنة المحبطين به، بمن فيهم من كانوا في «الصحوات»، وكذلك فتح الباب لاستيعاب الضباط السابقين في جيش صدام الممتلئين بمشاعر النقمة والرغبة في الانتقام لكرامتهم.. ولطائفتهم، واستعادة ما يرونها حقوقاً لهم في بلادهم.


ليست الانتصارات الباهرة التي حققها «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» حصيلة كفاءات قياداته العسكرية وعمليات الذبح والسبي الجماعي والإعدامات العلنية لبعض من اختار من «أسراه»، الأجانب بالدرجة الأولى، ثم المدنيين الذين اعتبرهم «كفاراً وأهل ضلالة»، أو «خونة» من «الرافضة» خرجوا من الدين وعليه. بل إن هذه الانتصارات هي أولاً وأخيراً من ثمار المناخ المؤاتي الذي رافق غزوته. فهو قد غرف من بحر الغضب الشعبي واستقطب كثيراً ممن ينقمون على النظام، أو انهم يقاتلونه فعلاً (في سوريا أساساً ثم في العراق)، واحتل مدناً وبلدات كانت جاهزة لاستقباله. وهو كان استقر بقواته، قبل عام تقريباً، في مدينة الرقة السورية، على الضفة الغربية لنهر الفرات الذي يمتد مجراه عبر الصحراء المشتركة بين سوريا والعراق ليعبر الموصل والرمادي وديالى إلى مصبه حيث يلتقي نهر دجلة ليشكلا معاً «شط العرب» عند البصرة، حيث يبدأ الخليج العربي الذي تتقاسم ضفتيه إيران من جهة والكويت ودولة الإمارات والسعودية وعُمان من الجهة الأخرى، لينتهي عند مضيق هرمز مدخل المحيط الهندي.


باختصار، فإن انتصارات «داعش» المفاجئة والتي فاضت عن التوقع هي حصيلة دهر من الغلط وأكوام من الممارسات الخاطئة التي لبست لبوس الطائفية والمذهبية لتبرر ما لا يبرر من فساد السلطة والتقصير الفاضح في توطيد الوحدة الوطنية وفي تحصين البلاد بقدرات أهلها كما بثرواتها الظاهرة.. والدفينة. ألا يقال إن العراق كله يعوم فوق بحر من النفط؟!


إن «داعش» يقاتل الآن بالسلاح الثقيل والخفيف الذي غنمه من دون قتال.. وبالأموال التي أخذها مكدسة في ربطاتها من خزائن الموصل أو جناها من حصيلة بيع النفط المنهوب إلى الدولة التي لا يمكن تبرئتها من التواطؤ. فتركيا أعظم المستفيدين من تدمير هاتين الدولتين العربيتين (سوريا والعراق)، من دون أن ينفي هذا الاستنتاج المسؤولية العظمى للنظامين الحاكمين في كل من دمشق وبغداد عن سقوط معظم المناطق التي سيطر عليها «داعش» من دون قتال أو بقتال أضعف الإيمان (بما في ذلك حقول النفط والسدود التي تتحكم بمياه الفرات والتي من شأنها إذا ما هُدمت أو نُسفت أن تغرق الأرض ومن وما عليها بفيضان لا يمكن وقف تدفقه المدمر).


وبالتأكيد، فإن الإسلام كما يقدمه المفكر المستنير الدكتور المهندس محمد شحرور بريء من أمثال هؤلاء الذين يحملون الراية الإسلامية ويتقدمون بقوة السلاح لاحتلال الفراغ الناجم عن فساد السلطة، الذي ضرب وحدة الشعب ومقدرات البلاد، وفتحها أمام الزاحف تحت رايات التعصب لأخذها… فاتحاً الباب أمام عودة المستعمر بثياب النجدة وحماية الدين الحنيف، هذه المرة.

السفير

‏10‏/12‏/2014