هل حقا انهم لا يريدون أحزابا بالمطلق ؟
ابراهيم البهرزي.
مأزق النظام السياسي الحالي في العراق هو امتداد لأزمات الأنظمة السياسية التي سبقته ، ومن يحاول تسطيح الأزمات عن طريق المقارنة بين (ازمنة جميلة ) و(ازمنة موحشة ) إنما هو منحاز بالدفاع عن (زمنه الشخصي الجميل ) هو ،وليس زمن الجميع الموحش ..
عشية دخول الدبابات الامريكية لبغداد عام ٢٠٠٣ معلنة نهاية النظام السياسي العسكري الممتد منذ عام ١٩٥٨ وبداية تشكيل نظام سياسي جديد كان ظاهره نوع من (الديمقراطية التوافقية) وجوهره تشكيل طبقات سياسية تقوم على استثمار الاقتصاد الريعي لمصالحها الشخصية من خلال الاعتماد على تشكيلات فئوية (عائلية طائفية عشائرية ) تشيع النزعة الاستهلاكية في المجتمع وتعيق كل مظاهر الازدهار الاقتصادي المعتمد على الانتاج والتنمية وتحديث وسائلهما في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات .
تلك العشية ،ترك النظام السياسي السابق قاعدة بشرية خاوية أنهكها القمع والحروب والحصار الاقتصادي ،قاعدة شبه فارغة مستعدة في أغلبيتها للامتلاء بما تفيض به هذه الطبقة السياسية الجديدة من مشاريع وافكار حتى وان كان بعضها بمنتهى الشيطانية
قاعدة بشرية جاهزة للانسياق خلف كل مشروع يمثل النظام الاستهلاكي النفعي الجديد ويخدم طبقاته الجديدة المتوافقة على رهن اقتصاد البلاد بأدواتها المرتهنة لقوى عالمية واقليمية أمنت لها المشروعية والحماية.
نموذج الحكم (الوطني ) العسكري الذي تشكل منذ العام ١٩٥٨ وسقط عام ٢٠٠٣ بارادة خارجية ،لم يترك ،وبدرجات مختلفة ، فرصة لنشوء حياة حزبية حرة ومستقلة يمكن لها ان توجه وعي الشعب صوب مفاهيم التمدن والتحضر اللازمة لبناء نظام سياسي تعددي مستقر ،بل كانت هذه الأنظمة التي تداولت الحكم عبر هذا النموذج في أفضل حالاتها مصنعا لحفر الخنادق الأيديولوجية والقومية والطائفية بين ابناء الشعب الواحد ،اما أسوأ حالاتها فهي الديكتاتورية التي حفرت خندقا واحدا وحيدا يقرفص فيه الشعب صامتا مستكينا يصفق في اغلبيته ببلاهة ، راضيا مرضيا بطمأنينة الخائفين (التي ستغدو فيما بعد حلما بسبب ما تلاها من خطايا الديمقراطية التوافقية !)
وهذا لا يعني ان نظام ماقبل ١٩٥٨ كان جنة للأحزاب وحرية العمل السياسي ،فقد ظل الحزب الشيوعي العراقي مثلا وهو اكبر احزاب تلك الفترة قاعدة وتنظيما ، خارج الشرعية حتى عام ١٩٥٨ !
عشية ٢٠٠٣ لم يترك نظام صدام حسين في الداخل شعبا يعرف معنى وآليات المعارضة ليجيد تنظيم صفوفه ضد الطبقة السياسية المتوحشة الجديدة ، لقد دُجِّن على الموالاة او الصمت وانسحب هذا التدجين على نخبه الثقافية والأكاديمية والمهنية فقد كانت التصفية تطال كل من لا يرضخ لهذا التدجين ،فلم تكن هناك في الداخل أية حركة شعبية منظمة يمكنها ان تكون بديلا طبيعيا للنظام القديم .
لقد جاء البديل المنظم من الخارج ،من تلك الحركات والأحزاب التي استطاعت الإفلات من قبضة الدكتاتورية ، او من بقاياها ، وعاشت (في اغلبها )برعاية قوى عالمية واقليمية كانت تستخدمها في ازماتها المتعددة مع نظام الحكم السابق ، وبسبب طبيعة هذا (الاستخدام ) وما ينشأ عنه من صدامات وأحقاد ،وبسبب الطبيعة الإجرامية للنظام الدكتاتوري السابق في التعامل الفظ مع خصومه ،فقد جاء هذا البديل محملا بروح الانتقام الذي تمظهر جليا من خلال تدمير هيكلية الدولة القائمة منذ اكثر من ثمانين عاما واشاعة روح الغزو و الغنيمة في إدارة واستثمار مرافق الدولة (الجديدة ) مشفوعا بنزعة الطائفية التي (التهمتها ) القاعدة البشرية التي أفرغها نظام صدام حسين من اَي وعي مضاد بسبب تحريمه وتجريمه لحرية الرأي والتنظيم الحزبي طوال عقود.
لا نقول جديدا لو أكدنا ان نزعة الانتقام تنتمي الى عقلية ما قبل الدولة ، ولانؤكدها الا لمن يسعون جادين لبناء دولة على قدر من الاحترام، كما اننا لا نقول جديدا لو أكدنا ان الدولة العراقية بنماذجها الثلاث (ماقبل ١٩٥٨ ، وما بعدها حتى ٢٠٠٣، وما بعد ٢٠٠٣) قد قامت كلها على روح الانتقام بشكل او اخر !
ليس غريبا ان يكون هتاف الاحتجاج واضحا ضد الأحزاب (كل الأحزاب !)
فأين هي الأحزاب التي استطاعت تشكيل وعي جديد لهؤلاء الشباب ،وكيف تستطيع احزاب ، وضعت في نهجها مبدأ النفع والتوظيف خارج اطار قوانين الدولة لعناصرها ، ان تقنع هؤلاء الشباب بانها كانت تسعى لبناء نظام سياسي يضمن قدرا من العدالة الاجتماعية وهم يرون بام اعينهم مدى المنافع والمحاباة الحزبية التي تقدمها هذه الأحزاب لانتهازييها على حساب حقوقهم المشروعة ؟!
من الصعب ان يفلح حزب شارك بهذه الفوضى من سوء إدارة الموارد المالية وسوء الادارة العامة للدولة بشكل عام ،من الصعب عليه ان يفلح في إقناع هؤلاء الشباب باصلاح أحوالهم ،بدليل ان هذه الأحزاب خسرت خلال هذا الاحتجاج الكثير من عناصرها التي تركت (تنظيماتها ) والتحقت بالعفوية !
مأزق النظام السياسي الحالي هو مأزق الحياة الحزبية في العراق منذ تاسيس دولته الأولى ، تلك الحياة التي لم ينتظمها مرة قانون عقلاني متمدن ، ولَم تطور هي نفسها هيكلياتها الحزبية التي كانت وربما ستبقى لأمد غير منظور رهينة عقلية (القائد الضرورة )او (القيادة الحكيمة ) وتبقي جماهيرها مسحورة بطبقات من الساسة الطفيليين المنتفعين من خلال أساطير سياسية تهرأت عن القائد التاريخي والرمز في عالم صار يصنع (رموز ) كل تحولاته مجموعة فتيان على شاكلة صاحب بيتنا هذا الذي نلعب به ( المالك مايكل زوكيبيرغ )…
ما كان لشعار مناهضة الحزبية ان يتجلى بهذا الشكل الغاضب لو تركت لنا الأحزاب (مثالا) يمكن ان يلتف حوله هؤلاء الشباب ، وما كان لبعض الارتجال الذي يمكن ان يرافق العفوية ، وما يمكن ان ينتج عن هذا الارتجال من عنف وأذى ،ما كان لكل ذلك ان يكون لو ان هناك قانون يتيح لافكار الناس على اختلاف مشاربها ان تنتظم في احزاب سلمية في اطار مناخ سياسي يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص وشفافية التمويل وحرية التنظيم وعدم استخدام نفوذ السلطة في الكسب الحزبي
ليس بالضرورة ان تشكل الأحزاب على أسس عقائدية ذات مرجعيات فلسفية صارمة ، فهناك من الدوافع والغايات اللازمة لتشكيل الأحزاب ماتقع في دائرة البرامج الاجتماعية والإقتصادية او الثقافية الحضارية المرحلية استجابة لطبيعة الحياة المعاصرة وسرعة تحولاتها المستندة الى مفاجآت التطور التقني والعلمي المتسارعة ..
المشكلة إذن لا تكمن في (وجود )او (عدم وجود ) احزاب بقدر ما تكمن في طبيعة هذه الأحزاب وآليات تشكلها ومدى (سلمية وصدقية )الأفكار التي تدعيها ..
‎2019-11-05