هل حقاً قُتل البغدادي كـ قائد وفكر وعقيدة جهادية؟
أمجد إسماعيل الأغا .

بصرف النظر عن مقتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي أبو بكر البغدادي، وربطة بالتوقيت السياسي أو العسكري للأحداث والتطورات السورية، أو لجهة الوقائع الإقليمية والدولية. يبدو أن عملية الاستثمار السياسي لهذه العملية قد بدأت تدخل في بازار المراهنات، وقدرة أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية على تقديمها معلومات أوصلت إلى مقتل البغدادي بعملية أمريكية في إدلب، تبعها عملية إنزال.
تنظيم داعش الإرهابي كحركة جهادية خرجت من رحم القاعدة، تعتمد على اسلوب التسلسل الهرمي في قيادة التنظيم. هذا النمط من القيادة يفترض وجود زعيم أعلى، ومساعدين كبار، ولجان مهمتها معالجة القضايا الرئيسية مثل الأمن والإعلام. لكن التسلسل الهرمي وضع التنظيم في بوتقة الخطر مرات كثيرة، وقد يؤدي القبض على أحد الزعماء أو مقتله، إلى تعطيل مؤقت للتنظيم، أو على الأقل الحد من عملياته. لكن في المقابل فإن تنظيمات إرهابية أخرى تعتمد على تسلسل لا مركزي، وهذا النوع يصعب القضاء عليه، لكنه عرضة للتفكك والتشرذم، وغالباً ما يصعب إعادة تنظيمه.
داعش تجاوز هذه النقطة في قيادة التنظيم، وهو يضع تعليمات مُسبقة حول قضايا اعتقال القادة الاساسيين أو مقتلهم، وبالتالي من الصعب بقاء داعش كتنظيم دون قائد وهيكل تنظيمي جديد.
التنافس الاستخباراتي الامريكي التركي العراقي للظفر برأس البغدادي يهدف اساساً إلى تحقيق انتصار معنوي، لكن يجهل كثيرون أن الإعلان المزعوم عن مقتل البغدادي بين الفينة والأخرى، قد يساهم في توحيد التنظيم مُجدداً، وإعادة فرض تواجده عبر عمليات إرهابية هنا وهناك.
من هنا، فإن مقتل البغدادي لا يُعد إنجازاً استراتيجياً، بقدر ما سيكون استثماراً سياسياً، لأن واشنطن تُدرك بأنه سواء قُتل البغدادي أم لم يُقتل، سيبقى داعش كتنظيم ورقة سياسية تُمكن واشنطن من الاستثمار بالإرهاب. فالمعارك الجغرافية مع التنظيم الارهابي قد تنتهي، لكم من الصعوبة بمكان إنهاء المعارك الفكرية والعقائدية مع التنظيم، خاصة أن رقعة الانتشار الجغرافي الواسعة التي حققها التنظيم، في العراق واليمن ومالي ونيجيريا وأفغانستان ودول أخرى، تُهدد بشكل مباشر الأمن الإقليمي والدولي.
واشنطن وبعد كل ما سبق، هي المُستثمر الأول لكافة التنظيمات الجهادية، ولديها القدرة الكاملة على توظيف هذه التنظيمات في أي بقعة جغرافية في العالم. صحيح إن تغييب ورقة البغدادي ضمن مسرحية استخباراتية أمريكية، سيؤدي إلى فترة سكون وكسل في العمليات الإرهابية، لكن التنظيم الارهابي وبتخطيط استخباراتي امريكي سيكون قادراً بعد مدة وجيزة على العودة إلى النشاط الإرهابي، بُغية تقديم ذرائع مباشرة وغير مباشرة للتدخلات الأمريكية إقليمياً ودولياً.
لعل ما قاله الرئيس الشيشاني رمضان قديروف حول تصفية البغدادي، أنها لن تُغير كثيراً إذا استمر تصنيف الإرهابيين بين طيبين وسيئين، كما قال أن قتل البغدادي يعيد للذهن كلمات الشاعر الأوكراني تاراس بولبا لابنه “لقد أنجبتك أنا وأنا الأحق بقتلك”، يختصر المسرحية الأمريكية برمتها، كما يختصر مشهد هذه التنظيمات الإرهابية المرتبطة بشكل مباشر بأجهزة الاستخبارات الامريكية والاسرائيلية والتركية والسعودية.
‎2019-‎10-‎27