إلى اين نمضي ؟
ابراهيم البهرزي.
من المؤكد اننا لن نمضي الى ما نريد كما يقول النشيد فقد برهنت الوقائع الى ان كل الأناشيد والقصائد والأغاني ،بل ويلحقها ايضا كل الخطب السياسية والأنظمة الداخلية للأحزاب والبرامج السياسية ولقرن مضى من الزمان على اقل تقدير كانت ضربا من البلاغة والجهد الصوتي المضاع ،
وإن قرنا مضاعا من الاضطرابات السياسية لم يحقق لنا وطنا مزدهرا ومستقرا
لنتفق على ان كل ما حدث خلال هذا القرن بدءاً من اضطرابات عام ١٩٢٠ الفلاحية العشائرية حتى لحظتنا الراهنة هي ( اضطرابات ) ناتجة عن سوء القرار السياسي ولنتجنب مؤقتا ً موضعتها في حدي (الثورات ) او ( المؤامرات) لما ينطوي عليه هذين الحدين من رؤية انتقائية نفعية تجانب الحياد في كل الأحوال …
كل اضطراباتنا كانت إقصائية انتقامية تأتي كردود افعال على سوء القرارات السياسية للسلطات الحاكمة ثم لا تلبث ان تُمارس نفس السوء في قراراتها ان نجحت ، او هي لا تحاول استيعاب درس الخسارة ان أخفقت ..
لهذه الأسباب فقد كانت اضطرابات محفوفة بالدم حتى اصبح الدم إرثا لازما في ادبيات كتل الاضطرابات المتصارعة
بدهية الدم في الصراع اتاحت اختزال كل الجرائم العفوية والمنظمة الواقعة من اَي من أطراف الصراع الى صيغة قربانية تختزل الجناة كلهم في بضعة اشخاص يشيلون جنايات آلاف من القتلة الحقيقيين الذين يعاودون ممارساتهم في اضطرابات لاحقة في لعبة تستبدل الرموز وتبقي على الأدوات
هكذا اختزل العقاب عن كل جنايات العهد الملكي عام ١٩٥٨ ببضعة أكباش مثل العطية وَعَبَد الجبار ايوب واسم او اسمين اخرين
ثم اختزل عام ٢٠٠٣ برأس النظام وبضعة من معاونيه عن كل جنايات عهد ما بعد ١٩٥٨ في لعبة تسوية تتيح لآلاف المجرمين من المنفذين الفعليين على تواصل الجريمة في اضطرابات اخرى ، وهكذا ،فهي وسواها أدوات جاهزة لكل نظام يعاني الحرج في لحظة تاريخية ما ،أدوات يجب مراجعة مجمل الأنظمة البيداغوجية والعرفية والأخلاقية التي سهلت استخدامها بتلك السهولة ..
بهذه الطريقة غير العادلة سوغنا لمفهوم الاستهتار بدم الأفراد الأبرياء ، وتحت سقفي (الثورة ) و(المؤامرة ) او (النضال ) و( الواجب الرسمي ) اضيعت وتضيع حرمة دماء بريئة في اضطرابات وحروب صغيرة لم تنجز اَي شيء حقيقي ، والإنجاز الحقيقي الوحيد والذي لم يتحقق مطلقا هو بناء وطن مزدهر ومستقر !
هل يكفي هذا ليضع الدم العراقي كله أيا كان (صنفه!) في مدار التحريم المطلق ؟
هل نستطيع تنقية قاموسنا (الثوري ) من مفردات السحل والتعليق والانتقام والإبادة بحق كل خصوم الاضطرابات ونترك تقدير العقوبة ان وجدت حقا لنظام قضائي متوازن غير انتقامي ؟
ان اول الخطوات لتصحيح مسار قرن من الاضطرابات المخدوعة والمغدورة تتمثل في استبعاد تلك المعزوفة التي رافقت كل تلك الاضطرابات على اختلاف دوافعها والتي اثبتت الوقائع انها لم تحقق المطلب الحقيقي لكل حراك صادق :
وطن مزدهر ومستقر!
استبعاد معزوفة الدم ولوازمها المملة وآلاتها النشاز ..
عشية يوم لا اعرف ما غده ولا ما بعده اتوسل بالجميع ان لا يفكروا بخطيئة الدم حتى لأعدى اعدائهم ، ورغم احتمال وجود أدوات للعنف او القتل بدوافع الارتزاق او الاندساس او الانفعال فاني ارى ان على الجميع ،متظاهرين او مراقبين او قوات أمنية ضرورة تثبيتهم وكشفهم
لست يسوعا دعيا ، ولكني عبد من عباد هذه البلاد جاوزت الستين وقد دفعت عائلتي ، مثل اغلب عوائل العراقيين ، في كل العهود وأوقات الاضطرابات ،من الدم ما يتيح لي ان اقول كفى ارجوكم
كفى لدولاب يدور منذ اكثر من قرن ،دولاب تحركه العقائد الثأرية الملتبسة التي تختلط فيها جزيئات العقائدي السياسي بالعشائري بالديني بالطائفي بالقومي بالمناطقي في محلول سمّي قاتل ذاقه الجميع واذاقوه خصومهم،
وفِي كل الأحوال فان مابين الجاني والمجني عليه يمكن ان يقضي قانون متوازن متسام على مشاعر الانتقام والثأر ،ودولة يسري قانونها الواحد على الجميع دون أية ثغرة للاستثناءات ، ويمكن لهذا لزخم السلمي التراكمي ان يحقق ما لا يحققه تعجيل العنف المرتجل ،لأن حل شمشون كان دوما أسوأ الحلول وهو حل لا يزعق به الا المطمئنون على أنفسهم وعوائلهم ..
و بعدها يمكن ان نعرف الى اين نمضي بلارهبة وظنون، فربما سيكون ذلك الأمل الحقيقي المنشود والمكتوب حبرا في كل دساتير العقائد ان يتحقق في إجراءات عملية موقوتة،
ذاك الوعد الذي لم يتحقق خلال قرن من الاضطرابات ، وعد الوطن المزدهر المستقر؟!!..
‎2019-‎10-‎25