الربيع اللبنانى .. بيروت خيمتنا !!
بقلم / ياسر رافع.
إن أصدق وصف لما يحدث فى لبنان من تظاهرات عارمه مستمرة منذ أيام هو ” بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا ” للشاعر الفلسطينى الراحل ” محمود درويش ، فعندما رأى جميع من يتابع المشهد اللبنانى أن ما يحدث هو تأثيرا لعواصف ثورات الربيع العربى وإن جاءت متأخرة ، كان هناك على الأرض واقع مختلف فقد تبين أن ما يحدث هو ” ربيع لبنانى ” يختلف عما سبقه بخصوصيته المفرطه والتى لا يوجد لها مثيل فى المنطقه العربيه وربما فى العالم أجمع .
بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا !!
لبنان التى تشبه لوحة الفسيفساء ، والتى تشبة المقاطعات الملكيه الأوربيه فى القرون الوسطى مجتمعه تحت لواء جغرافيه واحده وتاريخ مشترك ولكن لكل مقاطعه قلعه يحميها أمير ولكن على الطريقه الحديثه ، فبعد إتفاق الطائف 1989 والذى بمقتضاه تم دفن مرحلة الحرب الأهليه المريره والتى إستمرت لخمسة عشر عاما خلفت وراءه لبنان مدمرا بالكامل ولكن لم يفضى الإتفاق إلى بلورة لبنان واحد ، بل أكد الإتفاق على الخصوصيه التاريخيه للفسيفساء العربى اللبنانى وتحولت المقاطعات إلى كيانات سياسيه يمارس فيها الأمير السياسى الجديد فعله عن طريق نوابه البرلمانيين فى بيروت مثل ما كان يفعله بقوة السلاح فى الحرب الأهليه وهو ما جعل من لبنان بلد أزمات بإمتياز ما يكاد يخرج من أزمه حتى يدخل فى أخرى لأن أمراء المقاطعات السياسيه كما أمراء القرون الوسطى يريدون ممارسة النفوذ دون دفع فواتيره .

بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا !!
لبنان أكبر ساحة صراع مزدحمه بالمتصارعين سواء المحليين أو الدوليين أو الإقليميين ، فالفسيفساء اللبنانى مغرى بالتدخل الخارجى فأمراء المقاطعات السياسيه اللبنانيه يقومون بإستدعاء الخارج اللبنانى للإستقواء الداخلى تارة ، ولمحاولة لعب دور خارجى يتحدى قدراتهم وقدرات لبنان ككل تارة أخرى ، فأصبح كل شئ مرهون فى لبنان بالسياسات الدوليه المحيطه به ، حتى بات لبنان هو ترمومتر السياسه العربيه ومؤشر على توتر الأوضاع فيها من عدمه .

بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا !!
أزمات إقتصاديه متتاليه يعانيها اللبنانيون ومشاكل مجتمعيه متفاقمه ولا يرون أى تقدم فى حياتهم اليوميه بل تزداد الحياة سوءا كلما مرت الأيام وأصبح لبنان الذى كان يشار إليه بالبنان على إنه ” سويسرا الشرق ” قديما عباره عن مقاطعات سياسيه أوجدت عروشا متوارثه ، وكروشا متضخمه لأمراءها بعدما أصبحوا مليارديرات دولاريه فى بلد فقير رغم عدد سكانه الصغير .

بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا !!
لبنان الفسيفساء السياسيه والطائفيه شاء حظها العثر أن تكون بجوار جغرافى ملتهب فهى التى تحملت أزمة اللاجئين الفلسطينين بعد التهجير بعد نكبة 48 وما بعدها ، وأصبحت أرضها مسرحا دائما للمناوشات الحربيه وصولا لغزوها من قبل إسرائيل 1982 وأصبح الدم المسال على أرضها أكثر مما سال فى كل الحروب العربيه الحديثه . وما أن إندلعت الحرب السوريه حتى أصبح العالم يترقب ما سيحدث فى لبنان بعدما شارك أمير من أمراء مقاطعاتها السياسيه فى الحرب بجوار النظام السورى وهو حزب الله ، ولكن كانت هناك أطراف عده لا ترغب فى أن تمتد الحرب إلى لبنان وهو ما حدث ، ولكن كان للاجئين السوريين كلمه وبصمه فى الداخل اللبنانى والذى أثر عليه إقتصاديا وكانت بدايات الأزمه تلوح فى الأفق .

بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا !!
ما كاد أمراء المقاطعات السياسيه الطائفيه اللبنانيه يتفقون على تشكيل الحكومه بعد شهور من الخلاف ، حتى قام رئيس الوزراء ” سعد الحريرى ” بالتلميح والتصريح عن رؤيته للإصلاح الإقتصادى فى لبنان عبر تبنى خطة 2030 المستنده على أفكار البنك الدولى للنهوض الإقتصادى فى المنطقه العربيه ، وما هى إلا أيام من طرحها والتى تستند أساسا على فكرة التقشف وفرض الضرائب على المواطنين وتخفيض الدعم الحكومى ، حتى ثار الناس ونزلوا للشوارع بأعداد ضخمه ليس فى بيروت فقط بل فى كل المدن اللبنانيه وكعادة أمراء المقاطعات السياسيه اللبنانيه إنتظروا أن ينفض المتظاهرين ويرجعوا إلى بيوتهم ككل مره محملين بوعود كاذبه ، ولكن منظر حشود المتظاهرين اوجد شقا فى تحالف أمراء المقاطعات فرأينا منهم من يتزلف إلى المتظاهرين املا فى ركوب الموجه الثوريه . هنا ظهر سعد الحريرى على التلفاز محذرا ومنذرا اللبنانيين بأن وضعهم الإقتصادى مزرى ويجب الوقوف صفا واحدا للخروج من الأزمه وملوحا بإشارات يعرفها أمراء المقاطعات السياسيه ، كالتذكير بفترة تعثر تشكيل الحكومه الحاليه ، والتذكير بأجواء الحرب الأهليه . ولكن الشركاء إنقسموا بين معارض لخطاب الحريرى وهؤلاء قله ، وبين مؤيد يخشى السيناريوهات القادمه مثل حزب الله الذى وجد نفسه فى مرمى المتظاهرين فسارع لتاييد عدوه اللدود الحريرى . ورجعت أزمة لبنان إلى عهدها الأول سياسيه بالأساس

بيروت خيمتنا .. بيروت نجمتنا !!
صاحت أصوات المتظاهرين فى كل المدن اللبنانيه ” كلن يعنى كلن ” فى إشارة إلى رغبة اللبنانيين من الأجيال الجديده فى إزاحة كل رموز وأمراء الطوائف السياسيه والعمل على بناء لبنان جديد لزمن جديد . اللبنانيون أكدوا للعالم أن ربيع الحريه لديهم له خصوصيه مختلفه فهم كمن ينثرون الحب لطيور المستقبل على أرض مليئه بأشواكا مدببة الأسنان تمنع تلك الطيور من إلتقاط الحب وأنهم عازمون على محاولة إقتلاع تلك الأشواك لتمهد لإنبات الحبوب .
بيروت صارت ولأول مرة رافضة للطائفيه الدينيه والحزبيه والسياسيه ولأمراء تلك الطوائف أصحاب الكروش المليئه بأموال الشعب والمتاجرين بقضاياها فى كل المحافل الدوليه . بيروت لأول مرة تتحول إلى خيمة جامعه خارج الإطار الطائفى فسارت بحراكها الثورى نجمه متلألئه تحتضن الجميع بصدرا حانى ، ولكن يأبى الأمراء على تركها هكذا وهم لم يعتادوا أن يصرخ المتظاهرين فى وجوهم منادين عليهم هذه المره بأسماءهم وصفاتهم ، وحتما سيتحركون فى محاولة لوأد فكرة الدوله الواحده بدون محاصصه فهذا يعنى موتهم . لهذا إذا ترك اللبنانيون خيمة بيروت الجامعه دون طائفيه تحت فكرة الوعود الإقتصاديه فحتما ستنطفأ نجمة بيروت للأبد وستزداد قوة عروش وكروش أمراء الطوائف السياسيه
بيروت لأول مرة تجتمع على شيئا جامع بعدما إجتمعت على صوت فيروز : كنا ونبقى لأنا المؤمنون به وبعد فليسع الأبطال الميدان .

2019-10-22