بقلم بكر السباتين..
تحليل ثقافي..
المؤرخ اليهودي شلومو زاند يتنبأ بزوال “إسرائيل” وفق نظرية “الغباء والكون المتمدد”!
“شلومو زاند” هو بروفسور ومؤرخ إسرائيلي بجامعة تل أبيب، ومؤلف كتاب “اختراع الشعب اليهودي”. تتمحور أبحاثه التاريخية حول القومية، والتاريخ الثقافي لفرنسا كما ألف كتاب “اختراع أرض إسرائيل”، وكتاب “كيف لم أعد يهودياً”..
هذا المفكر العميق الجاد دحض من خلال رؤيته الثاقبة واعتماداً على مناهج البحث العلمي المحايد، الأساطير اليهودية التي أقيمت على أساسها ما يسمى بإسرائيل.. وقد عاش زاند كل تداعيات النكبة التي أدت إلى نشوء الكيان الإسرائيلي، وقد ساعد ذلك على التنبؤ بزواله لاعتبارات منطقية جادة تطرق إليها بالتفصيل في سياق اللقاء المفتوح الذي أجرته معه قناة مساواة الفضائية في الثاني من فبراير 2018.. حينما أصر شلومو زاند على أن ما يسمى “إسرائيل” لن يكتب لها البقاء في الشرق الاوسط.
أما كيف نضجت أفكار شلومو زاند، فهو يرد ذلك إلى علاقته بالشاعر الفلسطيني محمود درويش إذ ضمهما الحزب الشيوعي في جناحه، وحينما خدم في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال التجنيد الإجباري أبدى شلومو زاند تحرجه من الموقف الذي وضع فيه أمام صديقه درويش. وكان يحتسب لدى المؤسسات الصهيونية لمواقفه السياسية المتطرفة بالنسبة إليهم، ضمن الذين فروا من الخدمة العسكرية.. وهم جنود تخلوا عن عقيدتهم الصهيونية ومبادئها؛ لا بل أن شلومو زاند انبرى طوال حياته لتكذيبها عبر منجزه الثقافي الكبير.. فقال فيهم درويش قصيدته الشهيرة: “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” تلك القصيدة، النبوءة، التي تتحدث عن جندي “اسرائيلي” يحلم بحديقة من زنابق بيضاء، وبأمه، وبقهوتها، لكنه تحول إلى قاتل في صفوف جيش احتل أرض الغير بالقوة.
يختار هذا الجندي “الاسرائيلي” من خلال الشعر، فكرة الانشقاق عن الحرب، والانحياز للتعايش الفسيفسائي في دولة مدنية تستوعب الجميع.. طبعاً هو لم يشر إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم السليب رغم أنه اعترف بأن الجيش الإسرائيلي احتل أرضهم بالقوة، لذلك اختار هو الزنابق البيضاء.
إن آلاف الجنود “الاسرائيليين” يحلمون بزنابق بيض، وهو ما أكدته حركة الانشقاقات المعروفة في “المجتمع الاستيطاني” في فلسطين المحتلة.. وهو توجه لا بد من تشجيعه لإصابة العمق الإسرائيلي في مقتل.
سيرحل شلومو زاد عن وطن ليس له.. يعترف بأن أصوله أوروبية.. وقد التقط درويش هذه الرغبة حين قال في قصيدته:
“حين ملأت كأسه الرابعَ
قلت مازحاً.. ترحل و.. الوطن؟
أجاب: دعني..
إنني أحلم بالزنابق البيضاء
بشارع مغرّد ومنزل مضاء
أريد قلباً طيباً، لا حشو بندقية
أريد يوماً مشمساً، لا لحظة انتصار
مجنونةً.. فاشيّهْ
أُريد طفلاً باسما يضحك للنهار،
لا قطعةً في الآلة الحربية
جئت لأحيا مطلع الشموس
لا مغربها..
ودعني، لأنه.. يبحث عن زنابق بيضاء…”
يقول شلومو زاند بأن الجيل الفلسطيني الجديد لا يخاف وفي عيونه يمكن قراءة مستقبل الكيان الإسرائيلي المعتم.. جيل فلسطيني تستيقظ في عيونه الجاحظة قوة أرعبت قادة “إسرائيل” وجعلتهم يواجهون الأسئلة الوجودية المخيفة حول الهوية لذلك ذهبوا إلى قانون يهودية الدولة بكل غباء، من هنا استعان شلومو زاند بمقولة أينشتاين في أن الغباء البشري لا حدود له كالكون المتسع.
وفي سياق متصل سجلت ذاكرتي ما قاله شلومو زاند في اللقاء الذي أجري معه بأن
“شعب” اليهودي طارئ وسوف يمضي في طريق التلاشي لأنه يسعى لمحاصرة نفسه في بوتقة الدين اليهودي المنغلق على نفسه.. وكانت فكرة القومية اليهودية كجوهر للفكر الصهيوني القائم على الأساطير التوراتية قد رُفضت من قبل يهود ميونخ في ألمانيا حينما طرحها هرتزل عليهم لأن الهوية الألمانية كانت هي الطاغية، فعقد المؤتمر في بال بسويسرا نهاية القرن الثامن عشر، ثم انبثق من هناك ما يعرف ب”الشعب اليهودي” أي “شعب الله المختار” ما أدى (حسب رأي شلومو زاند) إلى نشوء الشعب الفلسطيني، طبعاً هذه مغالطة لا تنسجم مع حقائق التاريخ والجغرافيا؛ لكن “الشعب” اليهودي كفكرة وفق رؤية شلومو زاند تم تنفيذها على أرض عربية وعلى حساب الشعب الفلسطيني الذي تبلورت أبعاده من خلال وجود الاحتلال الإسرائيلي الذي ما فتئ من جهته يبحث عن معطيات وجوده الشاذ من خلال معطيات الأمر الواقع القائمة على القوة والجبروت.. وهو “شعب” يحتل أرض الغير بالقوة، ليس هذا فحسب؛ بل ويحرمه من حقوقه الأساسية.. لذلك لا بد أن يتلاشى كونه يبحث عن جيتو يهودي كبير اسمه “إسرائيل”، وأنا أشبهها بقلعة تضمُّ في صفوفها جنوداً وشعباً هجيناً تسيطر عليه الأساطير التوراتية والتلمودية التي لم يجد علماء الآثار ما يثبتها على أرض الواقع. حتى أكذوبة الأصل اليهودي النقي فقد حطمتها التجارب المخبرية لفحص الحمض النووي، حتى أن هذه الفحوصات أثبتت بأن نتنياهو نفسه من أصول أوروبية وهذا يتعارض مع الأساطير التوراتية التي تقول بالعرق اليهودي وتقوض القومية اليهودية التي لا تنسجم مع المنطق. ورغم ذلك فإن هذا الجيتو الكبير يسيطر على بواباته الحاخامات كي يجيزوا لمن يثبت أصله اليهودي، العيش ضمن الشعب اليهودي، حيث يعتمد هذا الأصل على جينات الأم خلافاً لما هو معمول به على صعيد عالمي في أن النسب عادة يتبع الأب. الأسئلة سوف تخرج من عقالها حينما تطرح هذه المتناقضات كحقائق لا يستوعبها عقل.. فكيف بالشعب الذي أقيم على مبدأ العرق النقي ليستحوذ على أرض قالت عنها الأساطير بأنها أرض الميعاد دون دليل يثبت ذلك!؟ ألا ينسجم هذا مع ما قاله أينشتاين بأن الغباء البشري مثل الكون لا يتوقف عن التمدد، وقد ثبت بأن اليهود عبارة عن عدة أصول عرقية من خلال فحوصات الحمض النووي الذي يهتم به اليهود في أنحاء العالم، لتأخذهم الأساطير الباطلة إلى أرض فلسطين، لإقامة وطن لهم في حيز جغرافي مغتصب.. وقد ثبت بأن الانتشار اليهودي في أصقاع الأرض لا يدل على صحة أسطورة الخروج اليهودي الكبير من “يهودا والسامرة”، لأنه ثبت بأن الإرساليات الدينية اليهودية كانت ناشطة قبل قرون لذلك انضوت أعراق مختلفة تحت مظلة الدين اليهودي، مع استحالة أن يجمعها أصل واحد.. إنه الفرق بين أصول يهود الفلاشا الأثيوبيين ويهود الخزر في شرق أوروبا وإمعاناً في المقارنة سندخل في السياق الفرق في المظهر والعادات والتقاليد بين يهود السفرديم والإشكانز الأوروبيين..
طبعاً حديث المؤرخ اليهودي شلومو زاند قد لا يعجب قادة الكيان الإسرائيلي المحتل، وهو بالنسبة للصهاينة يعتبر شديد التطرف والراديكالية وينسجم مع ما يعتبرونه تطرفاً عربياً، لكنه أيضاً في تقديري يعتبر أكثر إيماناً بحقوق الفلسطينيين المشروعة من العرب الذين أبرموا اتفاقيات سلام مشوهة مع الاحتلال الإسرائيلي، حتى قادة سلطة أوسلو أنفسهم.
صحيح أن شلومو زاند لم يتطرق إلى حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من أرضهم السليبة، فيما لو تحققت رؤيته في دولة علمانية إسرائيلية منفتحة على الآخر وخاصة أصحاب الأرض من اللاجئين الفلسطينيين! وهذا من المحال؛ لذلك فهو متشائم بالنسبة لمستقبل الاحتلال الإسرائيلي بسبب قانون يهودية الدولة، ومصيره الفناء لأن يهودية الدولة لا تنسجم مع معطيات المستقبل في عالم لا يعترف بالحواجز والأسوار وفضاءاته منفتحة دون حواجز.
هذه “إسرائيل” المحتلة في نظر شلومو زاند الذي وجد ذاته في انحيازه إلى الحقيقة وإن كانت صعبة عليه، إنها في نظره دولة أقيمت على الأساطير التوراتية والحقائق المزيفة التي لم تثبت على الأرض.. أكاذيب تنم عن غباء وفق مقولة البرت أينشتاين بأنه غباء متمدد كالكون الآخذ في الاتساع.. إنها نظرية “الغباء والكون المتمدد” لو أجيز لنا نسبها للمفكر شلومو زاند حيث قاس عليها تداعيات إقامة الكيان الإسرائيلي وحشره في جيتو كبير، وهو إعلان ضمني منه في أن صاحب الحق أكبر من المتجبر الزائف.
19 أكتوبر 2019