لبنان المنتفض ورجل الدولة والمستقبل! 
ايهاب زكي.
ليس أمراً في متناول اليد أن تجمع بين الثوري ورجل الدولة، فهو أشبه أن تجعل “سفينة تجري على اليبَسِ”. وليس كل من اشتغل بالسياسة هو رجل دولة، كما ليس كل من تولّى منصباً عاماً هو رجل دولة، ففي تعريف أفلاطون لرجل الدولة على لسان “زينون” أنه من يجعل مصلحة المواطنين في عين الاعتبار، وهو من يعرف أنّه لا يعمل لنفسه بل لغيره، ويعرف واجباته ويعرف مظالم الناس والانقسامات التي تفرقهم فيصححها. رجل الدولة يملك حرصاً استراتيجياً على دولته ومواطنيها ومؤسساتها، بعكس رجل الثورة الذي يمتلك نزقاً واندفاعاً ومجازفةً، ولكن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله جمع بسلاسةٍ متناهية بين الأمرين، حيث حكمة رجل الدولة التي تجعل من مجازفة الثائر ميزاناً دقيقاً ومن نزقه رؤية ثاقبة.
ونجاح السيد نصر الله في الجمع بين الأمرين هو على العكس تماماً من فشل الآخرين، في الجمع بين الجلاد والضحية وبين السلطة والثورة. فالجماهير التي تدفقت إلى الشوارع وهطلت في الساحات وجعاً، هي بحاجةٍ لقلب ثائر بعقل رجل الدولة. المحاولات السياسية والإعلامية محلياً وإقليمياً وحتى دولياً لحرف التظاهر عن مسبباته الرئيسية، لا تزال تُمنى بالفشل حتى اللحظة، فالتصويب دؤوب على حزب الله سلاحاً ومواقفَ، رغم أنّ هذا السلاح كما كان حارساً للحدود سيكون حارساً للتنمية، ولكن المعضلة أنّ التنمية تعاني من نوايا دولية وإقليمية ومحلية معرقِلة بل ومانعة.
حين قرر حزب الله تخطي المفارقة المعقدة بين السلطة والمقاومة، وخاض غمار الانتخابات النيابية، حتماً لم يكن غائباً عنه عُسر الواقع السياسي اللبناني وعسرَته، كما لم يغب عنه الاستهداف المتواصل لمجرد وجوده، فكيف بوجوده على طاولة الحكومة كعنصرٍ فاعل لا متفرج، فاحتمال تفاجؤ الحزب بالواقع الرخو للاقتصاد اللبناني والحالة الرثة للتسايس اللبناني غير واردٍ إطلاقاً، وخطاب السيد نصر الله كان واضحاً حين عبّر عن هذا الإدراك لواقع الحال، حين قال إنّ استبدال الحكومة الحالية في ظل هذا الواقع لن تكون خطوة في الطريق الصحيح، حيث سيُعاد انتاجها من ذات الطبقة وذات الأطراف، بمعنى آخر فالحكومة المرتجاة لن تكون الحكومة المثالية، ولكن حديثه كان في إطار تحصيل أكبر المكاسب المعيشية والاجتماعية بأقل الخسائر السياسية والوطنية. كما أنّه يأتي في إطار وضع هذه الانتفاضة الشعبية في أيدٍ أمينة، وكقاعدةٍ للبناء عليها في تغيير الذهنية الحاكمة والسلوك السياسي. وهذا الإدراك السابق واللاحق لدى حزب الله يجعل من توقع وجود خطةٍ استراتيجيةٍ مسبقة استنتاجاً منطقياً، فالحزب قد يكون ليناً في المداراة السياسية محلياً، لكنه سيكون قاسياً إذا اقتضى الأمر، وهو ما يمكن أن يُستشفّ من تلويح السيد نصر الله بنزول الحزب للشارع وهو ما تمناه ألّا يحدث، وهذا يعني أنّ الحزب وحلفاءه سيحاولون بكل المتاح، أن تكون هذه الصدمة الجماهيرية مدخلاً للإصلاح ومانعاً للتأزم مجدداً.
وبغض النظر عن طريقة استقبال المنتفضين للبرنامج الإصلاحي وانتهاء المهلة التي حددها رئيس الحكومة، فإنّ ما تحقق لا تقتصر آثاره على الواقع الاقتصادي بل تتخطاه للواقع الاجتماعي، حيث يبدو أنّ اللبنانيين بدأوا باكتشاف أنفسهم مجدداً، وأنّهم شعبٌ مكتمل الأركان لا مجرد فيدرالياتٍ مذهبية وطائفية، وأنّهم يمتلكون من الوعي ما يجعلهم قادرين على تجاوز الشدّ والعصبية، وأنهم قادرون على تحديد وجهة العدو وجانب الصديق، وبدا أنّهم يدركون أنّ تسعير الخلافات ما هو إلّا استثمار سياسي قديم متجدد.
‎2019-‎10-‎22