منهج التحليل النفسي في السياسة . 4!

ابو زيزوم الغري
كيف تعاملت اسرائيل مع شخصية عرفات
لا تدع الصهيونية شأناً من شؤون أعدائها دون ان تخضعه للدراسات العلمية كي تتعامل معه بالشكل الصحيح . ولما كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي العدو الاول لإسرائيل بحكم الواقع فقد خصصت لها حظاً وافراً من نشاطها الاستخباري والنفسي والسياسي فضلاً عن العسكري ، وحققت اختراقات مشهودة سنتطرق لبعضها فيما بعد . وركزت بشكل خاص على قيادات المنظمة فصفّت عديدين منهم .
تصفية القيادات الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل ليست عملاً ثأرياً ينطلق من الماضي وإنما عمل سياسي مدروس ينطلق من الفائدة او الضرر المترتب على الاغتيال . ولقد حاول عرفات والمروجون له إضفاء هالة ملحمية على ( نجاته ) من محاولات الموساد الماراثونية لإغتياله . يُدخلون فيها كل عناصر التشويق الفني من العبقرية واللطف الإلهي والحدس والصدفة .
من شبه المؤكد ان الاسرائيليين هم الذين اغتالوا عرفات بالسم . ومن شبه المؤكد انهم كانوا قادرين على دس السم له في مراحل سابقة ، لكنهم لم يفعلوا ، لأن اغتياله يوم كان البديل له ابو جهاد ( خليل الوزير ) او ابو إياد ( صلاح خلف ) يعتبر عملا غبياً . فاغتالت اسرائيل ذينك القائدين العظيمين ليصبح محمود عباس الرجل الثاني في المنظمة ، وعندها اصبح عرفات مستهدفا متى إقتضت المصلحة الاسرائيلية ذلك .
شخصية عرفات وتركيبته النفسية ليست بالسر الخفي على المتابعين فضلاً عن اجهزة المخابرات كالأخطبوط الصهيوني . لقد حددوا نقاط ضعفه في وقت مبكر ، وهي التهالك على السلطة ، فوُضعت المخططات على هذا الأساس . وما ان حانت الفرصة المناسبة بعد حرب الكويت ( 1991 ) حتى تقدموا بثبات ونفذوا المخطط المرسوم كأنهم يؤدون فصلاً تمثيلياً .
منذ الإنطلاق الواسع للمقاومة الفلسطينية بعد حرب حزيران حصلت على دعم عربي غير محدود ، رسمي وشعبي . وكان المال الوفير احد أوجه ذلك الدعم . فلم يوجه عرفات تلك الاموال الطائلة نحو وجهتها الصحيحة في رفد الجانب القتالي للفدائيين لأنه في قرارة نفسه يعتقد ان ذلك تبذير لا طائل من ورائه . وإنما وجّه تلك الاموال نحو الإفساد عبر بناء دولة داخل الدولة المستضيفة . وأصبح قادة المنظمة أثرياء بدرجات فاحشة منصرفين كلياً للمال والأعمال وآخر اهتماماتهم الكفاح والتحرير . وأصبح مواطنو الدول التي استضافت المنظمة يشعرون بالحسد للفلسطينيين المنخرطين في المنظمة وهم يرونهم أثرياء ومتنفذين وخارجين عن كل القوانين والأعراف . وذاك جزء رئيسي من الأسباب التي وفّرت أعداء لمنظمة التحرير في كل بلد استضافها .
ياسر عرفات شخصياً هو المسؤول الاول عن المشاكل التي حصلت لمنظمة التحرير مع مضيفيها في الاْردن ولبنان . لقد وجد في افتعال المشاكل مع الدول المستضيفة للمنظمة بديلا للعمل الفدائي ضد الإحتلال . وانحرف بالمنظمة بعيدا عن الخط الطبيعي لأي حركة مقاومة بهذا الحجم .
لكي يكون حكمنا على منظمة التحرير موضوعياً نقارنها بحركات المقاومة ألتي زامنتها وانتصرت : ثوار ڤيتنام وثوار جنوب أفريقيا . لم يكن المقاتل الفلسطيني أقل من نظرائه في ڤيتنام او جنوب افريقيا بأي شكل من الأشكال . الفرق كان في القيادة . أولئك كانوا مؤمنين بحتمية الانتصار فقاتلوا دون هوادة حتى انتصروا نصراً مؤزراً . وكان الفلسطينيون مستعدين للقتال بنفس التضحية والإصرار لكن قياداتهم لم تكن مستعدة . كانت متفرغة لتوطيد دولتها في الفاكهاني في تحدٍ سافر للدولة اللبنانية التي اضطرت لإستقبالهم . ولم يكن عرفات قلقا من وجود تيار عريض في لبنان يرفض الوجود الفلسطيني بل كان سعيدا بذلك لإفتعال أزمة يلهي بها شعبه والشعوب العربية عن شعارات التحرير المعلقة على كل جدار .
نيلسون مانديلا قائد المقاومة في جنوب أفريقيا أمضى تسعة وعشرين عاما من عمره في السجن . ولم يتزحزح قيد أنمله عن مبادئه ولم يتنازل عن شعرة من حقوق شعبه . ولم يتوقف القتال يوما واحدا . فاضطر ساجنوه على إخراجه من السجن وتسليمه رئاسة البلد لأنهم لم يجدوا سبيلا آخر لحل المشكلة .
و ( هوشي منه ) قائد ثوار ڤيتنام أفنى حياته مقاتلا في الخطوط الأمامية ، لم يزر دولا خارجية ولم يدخل حوارات سياسية ، فأرغم أمريكا بكل جبروتها على الرضوخ لإرادة شعبه والقبول به رئيسا رسميا لكل ڤيتنام . وانسحب الجيش الامريكي أمامه مذموما مدحورا .
أما عرفات فلم يكن أكثر من رئيس عربي تمر لكي تقابله او تراه بسلسلة طويلة من الدوائر والتحقيقات التي تنهي إجراءاتها بإخبارك ان اللقاء غير ممكن . يتجول في عواصم العالم بطائرة خاصة ، والمهمة الوحيدة التي ينجزها في تلك الجولات ان يعد مستقبليه بمزيد من التنازلات مقابل ان يواصل تجواله بطائرة خاصة . لذلك انتصرت الثورتان الڤيتنامية والجنوب أفريقية وفشلت الثورة الفلسطينية . وفي المنشور القادم نضع النقاط على الحروف .
( ابو زيزوم _ 729 )
‎2019-‎10-‎22