لبنان .. دروس “انتفاضة” الناس !

د. ليلى نقولا.
لا شكّ ان الانتفاضة الشعبية التي عمّت مختلف المناطق اللبنانية، كانت نتيجة طبيعية لتفاقم أزمات السلطة السياسية التي أمعنت في صمّ آذانها عن صرخات الناس، واستسهلت فرض الضرائب والسرقات المكشوفة على مرأى من الجميع ومنعت كل إمكانية للمساءلة والمحاسبة وعطّلت القضاء والجهات الرقابية.
وأما وقد وصلت الأمور الى ما صلت إليه، يمكن استخلاص دروس مبكرة، ولو أن الانتفاضة الشعبية لم تصل الى خواتيمها بعد، ولا أحد يعرف كيفية إتجاه الأمور على الأرض بعد إعلان الحكومة ورقتها الاقتصادية، وهذه الدروس تتلخص في ما يلي:
أولاً، أثبت الشارع اللبناني أن ذرائع التستر بالطائفية والمذهبية لمنع المساءلة والمحاسبة للفاسدين وسارقي المال العام لم تعد تنطلي على أحد. لقد مسّت الازمة الإقتصادية كل مواطن لبناني في رزقه ومستقبل اولاده وقوتهم، لذا لم تعد تعنيه كل الخطوط الحمراء التي ابتدعوها لحماية أنفسهم وسرقة المال العام. كما أثبت أنه يمقت التعجرف السياسي والفوقية التي يعامله بها سياسيوه.
ثانيًا: إن الأزمات سواء الحقيقية أو المفتعلة التي ابتدعها أهل السلطة لإحراج بعضهم البعض أو لإحراج العهد، انفجرت في وجه الجميع دون استثناء. وبالرغم من أن الشارع قال كلمته ضد الجميع، إلا أن البعض حاول استثمار الشارع لتصفية حسابات سياسية، كدعوة فرنجية وجنبلاط الى استقالة باسيل وكأن باسيل هو المتهم بسرقة المال العام والسيطرة على مقدرات الدولة لمدة ثلاثين عامًا، وهو الذي استفاد من وجود السوريين  ليخلق له كونتونات طائفية زبائنية.
ثالثًا: كان لافتًا مطالبة “القوات اللبنانية” باستقالة الرئيس، وهو أمر خطير جدًا من الناحية القانونية والسياسية وحتى المسيحية.
من الناحية القانونية، إن التعديلات الدستورية التي أتى بها الطائف عام 1990، انتزعت صلاحيات رئيس الجمهورية وأنيطت بمجلس الوزراء. وهكذا، لم تعد السلطة الاجرائية منوطة برئيس الدولة بل بمجلس الوزراء مجتمعًا.
وهكذا أصبح المسؤول الأول في السلطة الإجرائية هو رئيس مجلس الوزراء ولم يعد رئيس الجمهورية كما كان قبل تعديلات الطائف. وهكذا يكون رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة، كما تمّ تكريس استقلاله عن رئيس الجمهورية في إدارة شؤون الحكومة ان لجهة وضع جدول أعمال مجلس الوزراء ام لجهة ترؤس اجتماعاته ودعوته الى الانعقاد، الأمر الذي أدّى الى نقل مركز الحكم في لبنان من قصر بعبدا الى السرايا الكبير.
وأكثر من ذلك،  فإنه باستثناء مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، لا يحق لرئيس الجمهورية  ممارسة ما تبقى له من صلاحيات، من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصين (المادة 54 من الدستور).
وهذا يعني أن الرئيس غير مسؤول عن سياسة الحكومة بل هو حَكَم بين اللبنانيين، لذا فإن مسارعة القوات الى المطالبة باستقالته تعدّ نوعًا من الهرطقة الدستورية والخيانة العظمى للمسيحيين.
تعدّ رئاسة الجمهورية اللبنانية آخر موقع مسيحي في شرق تمّ تهجير المسيحيين منه، وبالتالي إن إضعاف موقع الرئاسة واستسهال إقالته كما تريد “القوات”، يعني استكمال مسلسل تهجير المسيحيين من المشرق وهو المخطط الذي يبدو أن “القوات اللبنانية” هي رأس حربة فيه.
وبالنتيجة، لقد قال الشارع كلمته بالفعل وأوصل رسالة شديدة اللهجة الى المسؤولين، ولكن المطالبات المبالغ فيها كاستقالة النواب وحلّ السلطة بأكملها وغير ذلك، تبدو إما نوعًا من الإنفصال عن الواقع أو التآمر على الوطن، إذ أن سيناريو كهذا – أقلّه- سوف يؤدي الى انهيار الليرة المترنحة أساسًا، وقد يستفيق اللبنانيون  على 5000 ليرة مقابل الدولار الواحد. لذا، إن الاتعاظ والتغيير مع حفظ الاستقرار الأمني والاقتصادي يبقى الحل المقبول حاليًا ولو لم يكن الحل المرتجى.
 ‎2019-‎10-‎21