جاسم الكهربائي والنظام الرئاسي !


ابراهيم البهرزي.
تذكرني دعوات البعض الى إقامة نظام رئاسي بديل عن النظام البرلماني الحالي كحل سحري لأزماتنا المتفاقمة بذلك المسكين الذي قيل له ان زوجتك تخونك علنا مع جاسم الكهربائي فراح يحاججهم بان جاسم ليس كهربائيا بل ولا يفهم اَي شيء في الكهرباء !
يا اخوتي تاكدوا ان جاسم كهربائي جيد كما ان النظام البرلماني ممكن ان يكون جيدا مثلما يمكن ذلك للنظام الرئاسي المنشود وان المشكلة لا تكمن في شكل النظام بل في طبيعة الطبقة السياسية التي تشكل هذا النظام
فمن يضمن لك ان نظاما رئاسيا منتخبا لا ينتج دكتاتورا فاسدا طالما ان اليات تشكيل الأحزاب وآليات الانتخاب هي نفسها التي أنتجت هذا الخراب الهائل من خلال النظام البرلماني الحالي ؟
والوضع نفسه ينطبق على دعوات تحميل الدستور كل الشرور ، والدستور ،كل دستور ، لايعدو اكثر من ( نصوص جميلة ) تتحدث غالبا بتلك المقولات المركزية التي شغلت البشرية منذ فجرها الاول : الحق والعدل والحرية ولا يكاد دستور من دساتير الامم يخلو منها حتى وان كانت الشياطين نفسها هي من كتبت هذه الدساتير !
دستورنا الحالي مثلا لاتخلو فقرة منه دون التعطر بإنسام هذه المقولات الكبرى من تاكيد على حقوق الانسان وضمان لحريات الأفراد والتزام بمبدأ المساواة بين أفراد الشعب والعدالة في توزيع الثروات وضمان سيادة الامن والقانون …. الخ
هاتوا لي فقرة واحدة في دستورنا مخالفة لمنطق الحق والعدل والحرية
لن تجدوا ابدا !
وبالمقابل هاتوا لي تطبيق فعلي واحد لنصوص هذه الفقرات على سطح الواقع
لن تجدوا ابدا أيضا !
فمن المسؤول عن كل ذلك هل هو الشكل والنص ام النوايا ؟
نصوص القوانين مثلا ،كلها عادلة عندنا ، ولكن يستطيع اَي قاض بنوايا مسبقة ان يظلمك بأعدل مافي هذه النصوص من فقرات !
لقد انتهكت حقوق الانسان وصودر الرأي الاخر وأهدرت حقوق الأفراد في العيش الكريم ونهبت الثروات وغاب العدل في توزيع الموارد بين أفراد الشعب وتباينت المستويات المعيشية بين طبقات الشعب الواحد بشكل سافر وكافر ، واستبيحت سيادة البلاد مرارا وبأشكال شتى ،وكل تلك هي انتهاكات صريحة للدستور
فهل الذنب ذنب الدستور ام ذنب النظام البرلماني مثلا ؟
وهل لو كان النظام رئاسيا ، وبنفس هذه الطبقة السياسية وآليات وصولها للسلطة ، هل كانت مثل هذه الانتهاكات ستوقف عن حدها ؟
المشكلة لا تكمن إذن في شكل النظام والنصوص الحاكمة ، ومحاولة إلقاء تبعة ذلك عليها إنما هو تملص عن مواجهة السبب الرئيسي للازمة.
سأحاول وبإيجاز غير ممل ان اتفلسف قليلا مضطرا لمحاولة توضيح حجم الهوة التي سقطنا فيها منذ ٩/٤/٢٠٠٣ في ما يسميه البعض احتلالا والبعض تحريرا والبعض سقوطا او تغييرا وتلك اهون التسميات المجردة ولاريح الجميع من مغبة الجدل حول صحة هذه التسميات من بطلانها اقول ان ما حصل هو تغيير في النموذج المعرفي (الباراديم) مستعيرا ذلك من تفسير كون Kohn لتاريخ العلم في كتابه بنية الثورات العلمية ( يستخدم ميشيل فوكو مصطلحا مقاربا لذلك يسميه الابيستيمولوجيا او نظام الأنظمة المعرفية ) وهو تفسير يقوم على اعتبار ان اَي تغيير يحدث إنما يعتمد على مجموعة من المتغيرات المتراكمة في عديد الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية واللغوية وكل متعلقات النشاط البشري في حقبة زمنية معينة وآليات هذا التغيير شديدة التعقيد ويمكن لمن يريد التوسع في فهمها قراءة كتاب بنية الثورات العلمية لكون وقراءة مجمل مؤلفات فوكو عن الابيستيمولوجيا
ما يخصنا تحديدا هو ان هناك ثلاثة أنظمة صنعت كل تاريخنا المعاصر وما اودت اليه في حاضرنا، وكل تفسير لواقع الحال الذي نحن فيه يغفل واحدا من هذه الأنظمة (الباراديم ) إنما هو تفسير يهرب من التفسير :
١/الباراديم الاول تشكل لحظة الاحتلال الإنكليزي للعراق مزيحا نظاما قروسطيا امتد لعدة قرون وحاول ادخال العراق الى نظام الدولة المعاصرة
٢/ الباراديم الثاني تشكل عام ١٩٥٨ وقام بمصادرة الدولة لصالح العقيدة السياسيةواستمر مع تقطعات شكلية لغاية ٩/٤/٢٠٠٣
٣/ الباراديم الثالث الذي تشكل بعده والذي صادر نظام العقيدة السياسية لصالح نظام الهويات الفرعية
سيكون الاعتراض على هذا التصنيف منصبا على ان بعض هذه النماذج غير منسجمة وخصوصا النموذج الثاني الذي يحتوي على أنظمة متناقضة ومتصارعة ومن الإجحاف وضعها ضمن باراديم واحد ، ولكن مشكلة الباراديم هو انه يقبل التناقض ضمن الكل ولهذا السبب تم اعتماده في هذا التصنيف !
لنكف عن التفلسف ونعود الى اللحظة الراهنة التي هي رهن الجدل حول بقاء هذا الباراديم نفسه صالحا لعقود اخرى ام ان مجموعة تغيرات في الأنظمة الاخرى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية قد حانت للانتقال الى باراديم رابع وأقول اننا سنظل راهنا في إطار هذا الباراديم بانتظار نضوج مجموعة الأنظمة الاخرى التي تعتمد على نضوج افكار اكثر تماسكا لإنجاز عملية الانتقال ، متأسياً بقول احد علماء الفيزياء النظرية (فاتني اسمه للأسف ) وهو يتحدث عن الثورات العلمية ( والتي لا تختلف في آلياتها كثيرا عن الثورات الاخرى )حيث يقول ان التغيير يحدث حين تكف الأفكار السائدة عن إقناع الناس بصوابها ، او حين يموت من يؤمنون بهذه الأفكار !
فهل ماتوا ؟!!
النموذج المريض الذي نحن في خضمه يحتاج إذن اما لافكار مزعزعة تطيح بالأفكار التي شكلته ، او الى موت من يؤمنون بهذه الأفكار !
وطالما ان الموت طريقة غير شريفة لإزاحة خصوم الأفكار فان الأفكار المزعزعة هي التي يعول عليها ، الأفكار التي تقول ان كل الاليات التي بني عليها هذا النموذج كانت فاسدة وإن كل أدواتها فاسدة وان اليات سلمية جديدة تتعلق بتأسيس نظام جديد للأحزاب لا يعتمد في نسيجه نمط الأحزاب العقائدية ذات المشاعر الانتقامية وإنما نمط الأحزاب ذات البرامج الاجتماعية الاقتصادية المرحلية والتي تتنافس في إطار نظام انتخابي شفاف وعادل ومُراقَب أمميا بدقة ،ربما تكون مدخلا لإصلاح النموذج الحالية وديمومته
تبقى مسالة العقاب او الثواب عن الجنايات التي حصلت في هذا النموذج ( وما سبقه من نماذج ايضا ) وإعادة الحقوق العامة فهو بحاجة الى عهد وطني يقوم على مبدأ الاعتراف والاعتذار وإعادة الحقوق لنصابها في كل شاردة وواردة من ثروات البلاد العامة وممتلكات أهاليها الخاصة
وبعد ،فان مسالة تحويل شكل النظام من برلماني الى رئاسي او تغيير النصوص الجميلة في الدستور من شعر نثر الى شعر حر او عمودي فانها من الشكليات التي تؤكد بما لايقل الشك بان جاسم الكهربائي هو أفضل الكهربائيين وسيواصل العلاقة غير الشرعية مع زوجة ذلك المسكين رغم انف الجميع !
‎2019-‎10-‎19