تحية كاريوكا والمثقف العضوي!

 
Bilden kan innehålla: 2 personer, personer som ler, personer som står och text
ابراهيم البهرزي.

الظرف العام المحيط بالإنسان يجبره احيانا الى الذهاب بافتراضاته الى التخوم القصوى وطرح افكار قد تكون مشاغبة بالنسبة لمن ركنوا قناعاتهم الى طمأنينة اليقين السائد
افكار عن المثقف ودوره في احداث عصره وما ينتج من سجالات عن هذه الأفكار هي من القت بي على ساحل تحية كاريوكا !
وما العجيب ؟فهذا هواي وليس اصدق من افكار تأتي عن طريق أشياء تحبها
قد يكون مصدر الاحتجاج اعتبار تحية كاريوكا من أهل الثقافة ، وهذا جهل بمفهوم الثقافة نفسها ،ذلك المفهوم الذي لا يعرف ان اول ظهور لصفة المثقف جاء بصيغة الازدراء والسخرية من قبل صحيفة فرنسية صدرت في باريس نهاية القرن السابع عشر وعلى لسان صحفي فرنسي سيكون له شان بالسياسة فيما بعد، والسياسة في منطقتنا تحديد ا ، انه كليمنصو وزير خارجية فرنسا ايّام كانت دولة من دول الاستعمار
وادرج تحت هذه الوصف جميع المشتغلين بالفن والإعلام والصحافة والأدب وسجالات الصالونات وغير ذلك
وبعيدا عن كل ذلك الإطار فان تحية كاريوكا مثقفة ،بل هي مثقفة كبيرة باعتقادي وهي مثقفة عضوية حقيقية أسهمت بفعالية في كل احداث عصرها ، مثقفة عصامية علمت نفسها بنفسها من خلال ارادتها وقوة شخصيتها
(حين زارها ادوارد سعيد في منزلها في الثمانينات وسألها كم مرة تزوجت يا تحية ؟
وقفت ونظرت اليه بازدراء لانها اعتقدت ان السؤال يمس بكرامتها الشخصية ، لكن الصحفية (نبيهة لطفي ) التي رافقت سعيد في زيارته وروت الحادثة ارادت تدارك الموقف المشحون فسألتها
من احببت منهم ؟
فكان رد كاريوكا : ان كلهم (زبالة ) ألقى بهم الزمان والظروف عليها !)
ربما تكون كاريوكا في لحظة غضب حين قالت ذلك ، خصوصا وأنها تزوجت ١٤ مرة ( ويقال ١٧ مرة. ) واغلب أزواجها هم من كبار الفنانين او رجال الاعمال والأثرياء ، مع اعتقادي ان الطبيعة الصريحة غير المجاملة التي تتسم بها شخصيتها تجعلها تفعل وتقول اقسى من ذلك ،فعلى سبيل المثال حين جاءت للقاهرة مطلع الثلاثينات كانت الأختين زوزو وميمي شكيب نجمتا المسارح والصالونات عهدذاك قد عابا عليها حسدا وغيرة أداءها فكانت تخلع حذاءها وتنهال ضربا عليهما في المحافل العامة
وقيل ( بحسب الصحفي الاستاذ جلال أمين ) انها حين شاركت في مهرجان كان في الخمسينات بفيلمها شباب امرأة ، وكانت الأجواء مشحونة عهدذاك بالصراع المصري الاسرائيلي ،كانت قد سمعت خلال عرض الفيلم مايسيء لمصر من قبل نجمة هوليوود الشهيرة حينها سوزان هاورد فأطلقت لحذائها العنان عليها، ثم أمضت ايّام المهرجان وهي ترتدي العباءة (الملاية اللف البلدي ) في شوارع المدينة تحديا للكراهية التي كان يبثها الاعلام الصهيوني ضد مصر وشعبها خلال ايّام المهرجان
ربما تكون هناك مبالغة في استخدامات حذاء تحية كاريوكا في احداث زمانها لكن كل المرويات عن شجاعتها متواترة وصحيحة ،هي شجاعة إذن ، وهذا احد شروط المثقف العضوي :
كان من عادة الملك فاروق الطواف في الملاهي الليلية وحين دخل ذات ليلة ملهى بديعة مصابني الذي كانت ترقص فيه تحية وجلس في زاوية بعيدة ذهبت اليه وقالت :
ان هذا المكان لا يليق بك ،مكانك هو القصر يا مولانا ،ويقال ان فاروق انسحب من الملهى ليلتها وترك عادة الطواف في الملاهي
وبعد ثورة يوليو وقيام بعض الضباط من زملاء ناصر بممارسة بعض النفوذ على الناس قالت (لقد ذهب فاروق وجاء فواريق ) تلك العبارة التي سجنت عنها لأكثر من ثلاثة اشهر
وحين حدث العدوان الثلاثي على مصر منتصف الخمسينات استخدمت تحية كاريوكا سيارتها الشخصية لايصال السلاح للفدائيين المرابطين في القنال
وقد أسست كاريوكا ما بين نهاية الستينات ونهاية السبعينات فرقة مسرحية باسمها قدمت فيها الكثير من مسرحيات النقد السياسي لعهدي عبد الناصر والسادات وحين كانت تمنع بعض عروضها كانت تذهب الى الجمهور المحتشد قرب المسرح و كانت تقول لهم :عليكم بالدولة فهي التي تمنعني عنكم
وقفت كاريوكا ضد العدوان الاسرائيلي على لبنان وعلى الفلسطينين من خلال قيادتها لاعتصامات الفنانين على الرغم من كبر سنها وسوء وضعها الصحي ،بل قادت قوافل من الأدباء والفنانين الى مهرجانات في اثينا وقبرص غايتها جمع التبرعات لضحايا العدوان الاسرائيلي
ولَم تكن مواقفها مزاجية ،فهي حين ساعدت الضابط الصغير انور السادات على الهروب من سجن الإنكليز عادت وعارضته حين اصبح رئيسا ووقع اتفاقية الصلح مع اسرائيل
وحين اكتشفت فسادا في حسابات نقابة الفنانين في مصر قادت حملة لاسقاط قيادة النقابة رغم ان بعضهم من اقرب أصدقائها ..
منذ مطلع الثلاثينات حين جاءت هذه الراقصة القاهرة وحتى رحيلها نهاية التسعينات كانت تحية كاريوكا حاضرة في كل الأحداث التي عاشتها مصر بمختلف العهود
لماذا اخترت في هذا الظرف بالذات تحية كاريوكا دون غيرها للحديث عن مهام المثقف في زمانه ؟
ذاك امر اترك تقديره للقاريء الفطن …‎2019-‎10-‎15