يامؤنس الغرباء في اوطانهم ..!
ابراهيم البهرزي.
لم يكن لي انيس في هذه الدنيا اكثر من راديو ترانسستر صغير !
هذا الجهاز الكافر الذي صنعه الكفار، كان في تلك الايام ، الايام الاولى للحرب العراقية الإيرانية وأيام تخرجي من الكلية وسَوقي بعدها جنديا، جهاز الكافرين هذا ، كان لي دينا ً اتعبد في محرابه وآنس ُ لتلك الأصوات البعيدة القادمة من شتى جهات السماء
كان الزمان مخيفا جدا ،خاصة وانت مشبوه ومراقب فلا تدري مع من تتحدث وبأي حديث تتحدث دون ان تنزلق الى عبارة تكسر رقبتك ،فكان ابن الكافرة هذا اكثر الرفقة ثقة واطمئنانا . كان نديمي في ليالي الواجبات العسكرية ،حيث تقبع في العتمة وحيدا لاتدري ماذا تحرس ممن ،البندقية بين ساقيك والراديو قرب أذنيك وانت تفرك قرصه الصغير ليطوف بك في عوالم الجن والساحرات ، ويرافقك ايّام الإجازة في البساتين والحقول كغنيمة وحيدة في بلد اصبح الموت والسلاح أغلى موروثاته .
اشتريت اول راديو ترانسستر صغير بثمانية دنانير وبالأقساط !، كنت ادفع من مخصصاتي الجامعية القليلة دينارين كل شهر لوكيل الشركة الأفريقية العراقية التي كانت تجهز هذه الأجهزة ،نسيت اسمه رحمه الله
وبقيت احافظ عليه وعلى إدامة بطاريته وسماعة الأذن الصغيرة حتى سقط من جيبي وانا في الجيش على صبة كونكريتية وتحطم
صديقي في الوحدة العسكرية الجندي المهندس سعد عواد الكبيسي (وهو ابن مقاول شهير وعائلة ثرية جدا ) تأثر كثيرا لحزني الشديد لحظتها وقال :لا عليك يا ابراهيم
في اليوم التالي جاءني براديو ترانسستر جديد لم آر له مثيلا ، كان اشبه بجاسوس يلتقط وعبر كل الموجات العاملة أصوات كل العالم وبصفاء شديد !
بل كان يلتقط حتى نداءات سيارات شرطة النجدة احيانا في بعض موجاته !
قال ان والده اقتناه من احدى البلدان الأوربية خلال احدى سفراته
عاش معي طويلا هذا الراديو بعد ان انتهت الحرب وتسرحنا ولَم اعرف حتى اللحظة اين حل الدهر بالمهندس سعد عواد ، صديقي الطيب ،البشوش، النقي حد السذاجة .
في ايّام احتدام المعارك كانت الإذاعة العراقية بمحطتيها الوحيدتين (إذاعة العراق وصوت الجماهير ) تدخل في مرحلة تعبوية لاتبث خلالها غير أغاني الحرب وتلاوات القران في الفجر وقبيل أوقات الأذان
حين أكون مضطرا لسماعها فجرا بسبب الواجب العسكري ، واضطرارك لسماعها ياتي من انك لست وحيدا لتسيح عبر إذاعات الكويت او لندن او القاهرة ،فكل هذه كانت إذاعات معادية في عرف الآخرين ،خصوصا وانت لاتامن كل رفاقك الجنود
في الفجر كان ما ان ينتهي صوت المؤذن
صدق الله العظيم
حتى تسمع مباشرة وبلا اَي فاصل او مقدمة صوت المغنّي العصبي :
هاخوتي عليهم ها عليهم كل الصوچ منهم ومن أيديهم ..
وهكذا
ذات مرة وقد طالت الحالة التعبوية كثيرا ،ربما لشهور ، وأظنها خلال معركة الفاو او غير ذلك ، في ذلك الفجر كنت اصغي للقران فجرا ومعي جندي او جنديان كان احدهما يعد الشاي والفطور وما ان ختم مقريء القران وصدق بالله العظيم حتى انساب صوت فيروز :
ياحلو
شوبخاف اني ضيّعك !
بلا أية إرادة مني قفزت مرددا بلا توقف :
الله الله الله الله
هكذا بلا اَي توقف ووسط ذهول من معي ودهشتهم ،كانت الدموع تترقرق من عيني بلا توقف
وَيَا حلو شوبخاف اني ضيَّعك
لقد اضعتيني لشهور يا ام زياد في ضجيج لا ناقة لي فيه ولا جمل ،فلا تضيعيني بعد أبوس قدميك
هكذا كانت الحرية ،بل عطر الحياة كله ،هكذا كان يمكن اختزاله بأغنية لا اكثر ..
كم هانت مطامحنا يا ام عوف ،يا ام زياد ،يا ام …..
ما مناسبة هذا الاستذكار الذي يبدو نشازا في اجواء الشهادة والموت المهيب المقترن بالظلم والاستهتار الذي لم يتوقف ساعة في زماننا العراقي ؟
السبب نفسه
ففي الحين الذي اختزل صدام حسين حريتنا وفرحنا وحياتنا في راديو ترانسستر صغير ،فقد اختزل فرسان الديمقراطية السفاحون من بعده كل حريتنا في فضاء نت صغير يمنون به علينا بين الحين والآخر وكأنه من املاك طوائفهم او عشائرهم او أديانهم التي فشلت في صناعة مجرد ملعقة طعام
الحرية مختزلة في اداة صنعها الكفار ويمن بها علينا قادة البلاد المؤمنون في كل عهد …
‎2019-‎10-‎13