أكاذيب تشرين السعودية في ذكرى حرب أكتوبر! 
أحمد فؤاد.
“إن ضرورة القتال أمر حتمي وواجب، على كل رجل وامرأة في هذا الوطن، لأننا لو خرجنا من هذه الأزمة -احتلال سيناء- بحل سلمي، حتى لو كان هذا الحل مقبولا ومرضيًا لنا تماما، فإن هذا الوطن سيتحول إلى مرتع للسماسرة بالنهار، ومرتعا للقوادين والعاهرات في الليل”. الكلام هو لشهيد العسكرية المصرية الجنرال الذهبي الشهيد عبد المنعم رياض، والذي استشهد على الجبهة المصرية في 9 آذار/مارس 1969، خلال حرب الاستنزاف، وهو يلقي الضوء على عقلية فذة، فقدتها مصر والعرب، وكان الرئيس جمال عبد الناصر يُعدّه ليكون رجل معركة العبور الأول، تخطيطًا وقيادة، لكن الشهادة سبقت إلى الرجلين، ليقود المعركة العربية، في مثل هذه الأيام قبل 46 عامًا، السادات والذين معه، وتنتهي بمحادثات الكيلو 101، ومن ثم، معاهدة الاستسلام العربي الأول أمام الصهاينة، الشهيرة بـ “كامب دايفيد”.
حاول السادات وإعلامه تمرير كذبة “الصلح” – الاستسلام – للصهاينة هو النصر، وأن المواجهة والمقاومة هزيمة وتراجع. وربط أول متصالح مع الكيان بين وهمي الرخاء والسلام، وطوال السنوات التالية لفك الاشتباك بين قواته والصهاينة كان يعد الناس بأنهار العسل واللبن، فيما لم يجد المصري العادي سوى المرّ والألم والمعاناة، وتجسد الرفض القاطع لسياساته في انتفاضة 1977، ثم اغتياله على المنصة في أكتوبر/تشرين الأول 1981.
ولعل أهم ما حاول السادات وإعلامه تمريره لوعي المتلقي المصري، هو أن فيصل بن عبد العزيز، الملك السعودي السابق، كان صاحب فضل ما في معركة تشرين/أكتوبر التحريرية، وأنه شريك في هذا النصر، بل وتجرأت أبواق على وصف تقليل ضخ البترول ورفع أسعاره، بأنه معركة موازية للمعركة العسكرية، التي تحملت كل من مصر وسوريا عبئها، وقدم أبناء العمال والفلاحين في كلا البلدين الدم للوصول لتحرير الأرض العربية، قبل انقلاب السادات المأساوي، وسط المعارك.
“معركة البترول” التي تنتمي إلى معارك هوليوود الخيالية، لم تقع في الحقيقة إلا على صفحات المواقع السعودية والمصرية التابعة، أما ما حدث فعلًا، فهو أن دماء من عبروا تحولّت إلى دولارات ملأت خزائن بني سعود، كما كانت المحفة الذهبية التي حملت طبقة جديدة إلى الحكم في القاهرة، بفعل شرعية الانتصار المعمد بتضحيات عشرات الألوف من الأبطال.
السعودية وقفت دائمًا ضد ربط البترول بالقضايا العربية، وفي خضم نكسة 1967، رفض فيصل بشكل قاطع المقترحات الجزائرية بوقف ضخ البترول عن الدول التي تؤيد الصهاينة، وغاية ما قدمه كان تعهدات مالية أمام القمة العربية بالخرطوم (آب/أغسطس 1967)، بحجة أن تعطيل صادرات البترول سيؤثر على الشعوب العربية لا الأعداء!
وبعد 6 سنوات، وحين جاءت لحظة الحرب في 1973، رفض فيصل مرة أخرى وقف التصدير، لكنه عجز عن التصدي للمطالب العربية بضرورة الوقوف مع مصر وسوريا، لذا أعلن تخفيض الإنتاج ورفع الأسعار، بما يحقق هدفين حيوين له، المشاركة في كعكة المكاسب السياسية أمام الجماهير العربية، وفي الوقت عينه استفادته من رفع الأسعار من نحو 3-4 دولارات للبرميل إلى 12 دولارًا للبرميل، في تشرين الثاني/نوفمبر 1973، وحين حقق ما أراده سرعان ما تخلى عن الحظر في آذار/مارس 1974.
ومن باب الأمانة، وللتاريخ فقط، وصونًا للعقل العربي من سموم الإعلام البترودولاري، علينا أن نمحص قليلًا في وقائع سبقت أيضًا تلك الأيام، التي شهدت تضامنًا عربيًا غير مسبوق، من جانب الشعوب أولًا، ثم من جانب أنظمة حاكمة لم تكن تجرؤ وقتها على تحدي المشاعر الجياشة لمواطنيها، وبالتالي فقد اصطفت ظاهريًا مع الدول المشتركة مباشرة في الحرب.
بالعودة إلى العام 1962، فقد شهد تدخلًا مصريًا في اليمن، لمساندة الثورة ضد الإمام، وبدون الخوض في تفاصيل ما جرى وقتها، ورغم ما قيل عن أخطاء متعددة صادفتها الحملة المصرية، فإن الولايات المتحدة رأتها فرصة لاستنزاف عبد الناصر، وبدأت تنسيق معركة طويلة، أرغمت مصر على إرسال عدة فرق عسكرية، من الأفضل تدريبًا وتسليحًا إلى اليمن، وقدرتها بعض المصادر بثلث عديد الجيش المصري، ما أتاح في النهاية توجيه الضربة الصهيونية لمصر في 1967.
وبعيدًا عن التحليلات، فقد تطوع الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح، بعد الشقاق مع السعودية، لإعلان تفاصيل التدخل السعودي في اليمن خلال الستينيات، وخطاب فيصل إلى الرئيس الأميركي جونسون، الذي طالبه بضرورة الإسراع بتوجيه ضربة ضد مصر، في عز انشغال قواتها باليمن. الخطاب وإن كان من ماضِ فات وقته، فإنه أفضل ما يُفسر الواقع الحاضر، ويكشف إمكانيات المستقبل.
السعودية ومنذ نشأتها لم تفعل سوى أن كانت مخلبًا للاستعمار، من البريطانيين قديمًا، إلى الأمريكيين بعد الحرب العالمية الثانية. كانت المملكة على الدوام الخنجر في الظهر العربي، وتفننت في طعن كل مشروع وحدوي، يؤمن بربط المنطقة من باب مصالح الشعوب.
والمملكة التي خرجت إلى النور قبل إعلان الكيان الصهيوني بسنوات، تثبت كلما مر الزمن أن الوظيفة التي زرعها الاستعمار من أجلها واحدة، حتى مع تغيير اللافتة، فضحايا المؤامرات السعودية والحروب الصهيونية من المسلمين والعرب فقط.
ولنتأمل ما خططه “فيصل” لصالح الأميركيين والصهاينة:
“من كل ما تقدَّم يا سيادة الرئيس، ومما عرضناه بإيجاز، يتبيَّن لكم أن مصر هي العدو الأكبر لنا جميعًا، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء إعلاميا وعسكريا فلن يأتي عام 1970 كما قال الخبراء وعرشنا ومصالحنا المشتركة في الوجود، ولذلك فإنني أبارك ما سبق للخبراء الأميركيين في مملكتنا أن اقترحوه، لأتقدم بالاقتراحات التالية:
– أن تقوم أميركا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولي به على أهم الأماكن حيوية في مصر، لتضطرها، بذلك، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أي مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد علي وعبد الناصر في وحدة عربية، بذلك نعطي لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا في مملكتنا فحسب، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية اقتداء بالقول (ارحموا شرير قوم ذل) وكذلك اتقاء أصوات إعلامهم المكروهة”. من رسالة الملك السعودى السابق فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون قبل حرب 1967. هذه الرسالة منشورة فى كتاب “عقود من الخيبات”.
‎2019-‎10-‎12