شرق الفرات أم المنطقة الأمنة .. أيهما اقرب إلى أردوغان؟.
بقلم .. أمجد إسماعيل الأغا.
مع انتهاء المدة التي حددها رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان لجهة انشاء المنطقة الأمنة، ومع تلكؤ المشاورات مع واشنطن وعدم إيجاد الصيغة المناسبة لماهية المنطقة الأمنة. يبدو أن أردوغان قد حسم خياره بالتدخل عسكرياً في شرق الفرات. هو تدخل سيجلب بلا شك تبعات مدمرة لـ تركيا أردوغان، خاصة أن جُلّ الدول الغربية ترفض هذا التدخل العسكري، وتراه تهديداً جدياً لكافة مسارات المنطقة سياسياً وعسكرياً، حتى أن التصريحات الغريبة تحمل في مضامينها تهديدات قد تلجم أردوغان عن أهدفه، فقد أعلن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام نيته تقديم مشروع يدعو إلى تعليق عضوية تركيا في حلف شمال الاطلسي إذا غزت سوريا، أما الخارجية الفرنسية فقد قالت أننا قلقون جداً من احتمال قيام تركيا بعملية عسكرية شمال شرق سوريا، وأضافت أنه على تركيا تجنب اتخاذ أي خطوات تتعارض مع مصالح التحالف الدولي ضد داعش.
تركيا نفذت تهديداتها لجهة التوغل في الاراضي السورية مرتين، المرة الأولى كانت عملية درع الفرات التي انطلقت في آب/أغسطس 2016 واستمرت حتى آذار/مارس 2017. والمرة الثانية كانت عملية غصن الزيتون” التي انطلقت في الربع الأول من عام 2018. ولعل نشوة ما حققه أردوغان في هاتان العمليتان، إضافة إلى صمت القوى الكبرى عن تدخلاته في سوريا، قد أفسح مجالاً لتهديده عبر عملية توغل ثالثة بُغية توسيع سيطرته على كامل أراضي شمال شرق سوريا. لكن المختلف في هذه المرة، أن المناخ السياسي والعسكري السائد في شرق الفرات، فضلاً عن أن هذه المنطقة تُعد مسرحاً أمريكياً يتجاوز في أبعاده هواجس تركيا وتطلعات الكرد، قد تُعرقل التوجهات التركية، الرامية أصلا لرفع كافة أسقف التصريحات السياسية والتحركات العسكرية، من أجل التوصل لاتفاق يُرضي أردوغان حيال المنطقة الأمنة.
دولياً، قد لا توجد قوة دولية ترغب أن تصطدم مع تركيا عسكرياً، ويبدو أن أردوغان قد استخدم أوراقه بشكل جيد، فهو يهدد بقوة بالتوغل في سوريا، ويرفع بذلك الضغط على واشنطن بشكل يدفعها إلى التجاوب مع أنقرة على أمل تجنب التصعيد في المنطقة. إلى ذلك تبدو الظروف الداخلية في تركيا مناسبة. فبعد خسارة الانتخابات البلدية الأخيرة، يحتاج أردوغان إلى موضوع يوحد به الأمة ويحشدها خلف سياسته، والموضوع المؤكد يتمثل في الأزمة مع الأكراد. فمنذ أن نفذت الدولة التركية عملية اغتيال لكادر كردي من حزب العمال الكردستاني المعارض في 27 حزيران/يونيو، والتي رد عليها حزب العمال بعملية انتقامية تمثلت باغتيال دبلوماسي تركي في شمال العراق في 21 تموز/يوليو، اشتعلت من جديد نيران الأزمة الكردية في تركيا. أضف إلى ذلك، اتساع رقعة الاستياء في تركيا من اللاجئين السوريين، ما يمكن لأردوغان أن يبرر حملته العسكرية داخليا بالسعي لتوفير مكان آمن لترحيل اللاجئين السوريين من تركيا إلى شمال شرق سوريا.
من هنا قد تبدو الظروف والوقائع ملائمة لعمل عسكري تركي شرق الفرات، من وجهة نظر أنقرة. لكن هذه العملية قد تتسبب في ظهور سيناريوهات ثلاث مدمرة ذاتياً.
**الأول – صحيح أن ترامب صرح برغبته الانسحاب من سوريا، لكنه عاد ليقول لا نسحب قواتنا من سورية وإنما ننقل العسكريين من الشمال إلى مناطق أخرى. وبالتالي من الممكن أن تقف القوات التركية وجهاً لوجه أمام القوات الأمريكية الداعمة للكرد. وإذا تجنب الأمريكيون الوقوف إلى جانب الكرد فهذا سيقودهم إلى دمشق.
**الثاني – بصرف النظر عن تصريح ترامب لجهة أنه على الأتراك والكرد حل الوضع فيما بينهم بعد انسحابنا من شمال سوريا، فالواضح أن الخيار الأكثر ترجيحاً في ظل هذا الموقف أن يقوم الكرد بدعوة الجيش السوري لمساعدتهم على مواجهة التهديدات التركية، ما يعني تمكين الدولة السورية ومؤسساتها من استعادة السيطرة على شرق الفرات.
**الثالث – يتعلق بالداخل التركي، خاصة أن التحرك العسكري التركي شرق الفرات، لن يبقى دون رد كردي يصل إلى داخل تركيا، الأمر الذي يشي باحتمالية أن تكون هناك تحركات سياسية لمعارضي أردوغان تُطالبه بعدم الزج بالقوات التركية في أتون الحرب السورية، الأمر الذي سيزيد من التعقيدات السياسية في الداخل التركي.
إضافة إلى هذه السيناريوهات الثلاث، هناك سيناريو قد يتبلور إذا ما رغب ترامب حقاً بالانسحاب من سوريا. ولإنهاء الوجود الأمريكي في سوريا، ينبغي على واشنطن أن تفكر في إقامة حوار مع روسيا، أكبر قوة خارجية نشطة في سوريا. وينبغي استخدام المحادثات لمحاولة إنهاء النزاع، وهذا يتطلب تقديم تنازلات أمريكية للجانب الروسي، أما الجزئية التركية في التفاهم الروسي الأمريكي، فربما يتم اجبار تركيا على الدخول في حوار مع الكرد، لضمان الأمن في الشمال الشرقي من سوريا، ونتيجة لذلك ستضغط موسكو وواشنطن على أنقرة لتحقيق هذه الغاية. وعليه سيكون أردوغان خارج إطار التفاهمات في حال تحقق هذا السيناريو.
في المحصلة، على صناع القرار السياسي في تركيا، أخذ كافة السيناريوهات بالحسبان، تجنباً للأسوأ، من هنا يبدو أن كل التحركات التركية تأتي في إطار ممارسة اقصى الضغوط على الجانب الأمريكي لدفعه إلى قبول منطقة آمنة فاصلة بعمق واسع، وتتناسب مع تطلعات تركيا. في هذه المنطقة لا يريد الاتراك أن يكون للكرد وجود عسكري فيها. لكن الكرد اعلنوا بشكل واضح بأنهم لن يخضعوا لإرادة أنقرة ولن يتخلوا عن أهم الانجازات التي حققوها في المنطقة والمتمثلة في الإدارة الذاتية لها. وبصرف النظر عن التصريحات الامريكية والتجاذبات الكردية والهواجس التركية، الواضح أن شرق سوريا مُقبل على جولة جديدة من العنف السياسي المؤطر بتداعيات عسكرية
‎2019-‎1010