تركيا تضرب المشروع الكردي في الصميم!

ابو زيزوم الغري.

قبل الحديث عن العملية التركية التي بدأت قبل قليل لابد من إلقاء الضوء على الوضع الكردي في سوريا . وأهم ما فيه ان المناطق الكردية هناك غير متصلة جغرافياً ، وانما تتوزع على ثلاثة أقاليم متباعدة تفصل بينها مناطق عربية واسعة ، جميعها ملتصقة بالحدود التركية . الإقليم الرئيسي هو اقليم الجزيرة ضمن محافظة الحسكة على الحدود العراقية ومركزه مدينة القامشلي . والثاني ( عين العرب ) او كوباني على الضفة الشرقية لنهر الفرات ويتبع إدارياً لمحافظة حلب . والثالث ( عفرين ) الى الغرب من حلب بالقرب من ادلب . ولقد سعى الأكراد منذ بدء الأحداث الى جسر الهوة بين المناطق الثلاث . فسيطروا على المنطقة العربية على امتداد مئتي كيلومتر بين القامشلي وكوباني والتي مركزها مدينة تل ابيض . وقاموا بأعمال تغيير ديمغرافي واسعة تضمنت تهجير وهدم بيوت واستيلاء على أراض . ثم عبروا الفرات للوصول الى عفرين ، واستولوا على جرابلس ومنبج متقدمين نحو الباب وإعزاز . لكن تركيا استشعرت الخطر فتدخلت عسكرياً قبل ثلاث سنوات وأوقفت تقدمهم . ثم أطلقت عملية عسكرية في العام الماضي واحتلت منطقة عفرين بالكامل .

العملية التركية التي بدأت اليوم ( لم يحصل تقدم بري حتى الان ) باتجاه تل ابيض ورأس العين من شأنها ان تشطر المنطقة المتبقية بيد الأكراد الى شطرين . وهي عملية سياسية اكثر مما هي عسكرية . فالسكان في المنطقة المستهدفة عرب وبعض التركمان ومن غير المتوقع ان يقاتل فيها الأكراد قتالا حقيقيا . لكن أبعادها السياسية مهمة للغاية لأنها قد تؤذن بتحولات استراتيجية في المنطقة . وكان لافتاً مسارعة الجامعة العربية لإدانة العملية لأنها تنتهك السيادة السورية كما ذكر بيان الجامعة . والحقيقة ان الجامعة العربية لا تعنيها سيادة سوريا من قريب او بعيد ، الا ان بيانها يعكس الموقف السعودي من تركيا . فليس سراً ان السعودية هي المتحكم بالجامعة . والسعودية هي الداعم الرئيسي بعد الولايات المتحدة للأكراد ولمسعاهم الانفصالي . وهي تعتبر الهجوم التركي ضربة لمشروعها في سوريا . لذلك ستحاول تأليب العرب ضد التدخل التركي . وطبعا ستحاول احراج قطر المتحالفة مع تركيا بإظهارها كمؤيد لعدوان خارجي على بلد عربي . اما الروس فإنهم يمارسون موقفاً أقرب الى موقف الانتظار . وطبعا لا يدعون أمراً يمر دون

ان يحققوا من خلاله بعض النقاط . فهم من جهة يودون ان تُكسر شوكة الأكراد على يد طرف آخر ليحققوا مكاسب على حساب الأكراد والطرف الاخر لصالح حليفهم النظام السوري . ومن جهة اخرى يعززون علاقتهم الوثيقة مع الأتراك والأكراد في نفس الوقت بشروط أفضل كون الطرفين المتخاصمين يدخلان مأزقاً يحتاجان فيه الى روسيا .

تركيا ولطول ما تحدثت عن المنطقة العازلة باتت تعتبر العملية بحد ذاتها غاية وليست وسيلة . فالرئيس اردوغان عانى كثيرا من عجزه عن القيام بالمهمة التي يذكرها كل يوم . هو يعلم انه قد يخسر فيها اكثر مما يربح . فالامريكان لم يوافقوا دون مقابل ، والروس لم يسكتوا دون مقابل ، والدول الخليجية المعادية لتركيا قد تجد في الحدث مناسبة ملائمة لفتح الخطوط مع النظام السوري وإعادته الى الجامعة . والإرهابيون المعتقلون والطلقاء أضحوا بعهدة تركيا وهم ملف شائك . والمقاتلون الأكراد سيستهدفون الجيش التركي بعمليات لا يمكن التكهن بمداها .

ونتحدث في المنشور القادم عن موقفي الولايات المتحدة والمعارضة السورية ، ثم نشير الى موقف النظام باعتباره المستفيد الأكبر من كل الذي يجري .

( ابو زيزوم _ 717 )

‎2019-‎10-‎10