بيروت وبغداد… وبينهما القاهرة!

توفيق شومان.

متظاهرون بالآلاف نزلوا الى شوارع وساحات بيروت وبغداد والقاهرة، مندّدون بسوء الحال والأحوال، يندبون ويلطمون آفاقهم السوداء.

عاطفياً، ليس القلب أصم حتى لا تتماهى نبضاته مع صرخات الفقراء ونايات الحناجر التي تعزف على أوتار الرغيف والعيش الحزين.

وعقلياً، ليس من الحكمة التماهي مع كل احتجاج تسبقه الفوضى وينذر بسوء أعظم وشر أعم. وما بين القلب الأصم والشر الأعم، يحضر أبو العلاء المعري قائلا:ً

نهاني عقلي عن أمور كثيرة

وطبعي إليها بالغريزة جاذبي

وعلى هذا النحو تأتي الأسئلة والتساؤلات، وعما إذا كانت كلّ انتفاضة مقبولة، وكلّ ثورة معقولة، وفي عناوين الأسئلة وتفاصيلها يحلّ السؤال الكبير: ما الثورة؟ ومتى يمكن أن تكون «الثورات» ثورات؟

ثمة ثورات في التاريخ، باتت قيمة إنسانية عليا، بصرف النظر عن تجاذبات السياسة وخصوماتها وتضاربات مصالحها. والثورات تلك، ومنها الثورة الإنكليزية، والثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، والثورة الإيرانية، وحتى الثورة الأميركية بعد فطام الولايات المتحدة عن الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، هي ثورات فكرية قبل أن تكون سياسية، وقبل أن يكون الهامش المطلبي والحياتي واحداً من أهدافها أو أبعادها، ولذلك شكّل الفلاسفة والمفكّرون آليات إنتاجها، فكانوا عقولها التي سبقت أفعال الثورات وواكبتها في لحظات شهبها واندلاعها، واستكملوها بعد قطاف لحظات التاريخ بتصوراتهم ورؤاهم وأفكارهم وفلسفاتهم.

إذاً… المفكرون أولاً

والثورة ثانياً.

كان الناس، وإلى وقت قريب مستقرين على ظنٍّ آثم، بأن الفقر خلقة من الله، وبأن الحُكم يؤتى من الله. وهذه الجبريّة الشاملة، ما فتئت تفعل أفاعيلها في الهند، فطبقة «الشودرا» أو المنبوذين وتعدادها بمئات الملايين من البشر، ما هي إلا عقاب بؤس مستطير نازل على الحياة الراهنة لأفرادها جراء ما اقترفوه في حياة سابقة. والجبرية الاعتقادية إياها، كانت سبيلاً لحكم الفراعنة المصريين، فهم من سلالة الآلهة على ما ظنّ الناس آنذاك واعتقدوا، وفي الصين لم يكن الانقلاب العسكري الأول الذي شهده تاريخها المكتوب في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، سوى نزول عند «رغبة السماء» التي «اجتمعت» و»قررت» عزل حاكم قائم وتنصيب حاكم بديل.

في الأمثلة تلك:

المفكّرون، وأغلبهم كهنة، كانوا مع واقع الحال

عقولهم تنتج أفكاراً لحماية الوضع القائم وتبريره

وهذا يعني، أن في نماذج حماية الواقع أو في نماذج الدعوة لتغييره وتثويره، يحتلّ المفكرون صدارة الدعوات والدعاة، تسويغاً أوتثويراً.

نبقى مع الثورة

ثمّة «ثورات» كثيرة عرفها التاريخ، وغدا إثرها المحكومون حاكمين، وتغلبت جماعة وغُلبت أخرى. وهكذا دارت أيام الحُكم والمُلك كما تدور عجلة الزمن، وسقطت أنظمة وقامت أخرى على أعقابها، فهل تلك ثورات بالفعل؟

ماذا عن أفكارها؟

ما الذي قدمته للإنسانية؟

وأين مفكروها؟

هذه ليست ثورات. ولذلك غارت في غياهب الذاكرة، ولم يبق في تاريخ أكثرها، إلا واقعة حدوثها، تماماً مثل اسبارطة، وكانت دولة قوية، لكنها دولة من دون تاريخ كما يصفها العلامة ول ديورانت، فيما يقرأ البشر عن أثينا وأفكارها السياسية والإنسانية وفلسفاتها منذ أكثر من ألفين وخمسمئة عام.

قبل الثورة الإنكليزية 1688 والتي يسميها الإنكليز «الثورة المجيدة»، كتب توماس سميث في العام 1583 كتاب «الجمهورية الإنكليزية»، ودعا من خلاله إلى أن يبقى الملك رئيساً للنظام ويقوم البرلمان بدور المحكمة العليا، وناقش فرنسيس باكون السلطة الملكية داعياً إلى تقييدها وألا تكون مطلقة، وتشعبت مؤلفات وكتابات وأفكار توماس هوبز 1588 ـ 1679 ما بين «عناصر القانون» و»كتاب المواطن» والطبيعة الإنسانية والهيئة السياسية «واللاويثان»، ليخلص بنظرية تبحث عن «الوسط الصحيح» الذي ينتج مجتمعاً سياسياً بميثاق إرادي ونفعي يؤسس لسلطة تقوم على عقد ليس بين الحاكم ورعاياه، بل بين أفراد يقررون تنصيب حاكم عليهم. وأما جون لوك 1632 ـ1704 ، فما زال منذ تاريخه يتصدر طليعة الفلاسفة السياسيين من خلال كتابيه «رسالة في الحكم المدني» و»رسالة في التسامح»، اللذين سيشكلان معيناً لا ينضب في مجالي الفلسفة السياسية والعلوم الاجتماعية.

كان المفكرون الإنكليز قبل الثورة

استمرّ المفكرون الإنكليز بعد الثورة.

لا يختلف حال الثورة الفرنسية 1789 عن سابقتها الإنكليزية، فقد مهد كتاب «العقد الاجتماعي» للفيلسوف جان جاك روسو 1712ـ 1778 الطريق أمام الثورة الفرنسية التي شكلت منعطفاً خطيراً في تاريخ أنظمة الحكم والأفكار السياسية، فيما «كتاب روح الشرائع» للفيلسوف مونتسكيو 1689ـ 1755 الداعي إلى فصل السلطات يشكل أسس وقواعد الحكم في معظم دول العالم.

وبالإتجاه نحو الولايات المتحدة، فقد عمل الأميركيون على المزج بين «الحكم المدني» لجون لوك و»روح الشرائع» لمونتسكيو، وكان «الآباء المؤسسون» لدولة ما بعد إخراج الإمبرطورية البريطانية من الولايات المتحدة، مثل جورج واشنطن وجون آدامز وتوماس جفرسون وجيمس ماديسون، أقرب إلى أن يكونوا مفكرين من كونهم رؤساء يحكمون بلاداً جديدة ويتولون أدوات السلطة ويمارسون السياسة.

مرة أخرى:

المفكّرون وأصحاب الرؤى في المقدمة

يصوغون الأفكار قبل أن تأتي الثورات

وإذا جاءت الثورات، وهي في العادة تشبه «الطوفان» تكون الأفكار والتصورات مثل سفينة نوح تنقذ الناس من طوفان بعد طوفان بعد طوفان.

إلى الشرق والثورة البلشفية

قبل ثورة العام 1917، بل قبل ثورة العام 1905، وبعدهما، وضع فلاديمير أوليانوف المعروف بـ»لينين» مجموعة كتب من بينها «ما العمل؟» و»الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» و»الدولة والثورة» وغيرها. الأمر الذي كان يعني وضوح الرؤية السياسية والفكرية للبلاشفة وكيفية إدارة الدولة منذ ما قبل سقوط النظام القيصري وما بعده. وإذا كانت الحلقة المحيطة بلينين ضمّت مفكرين نظراء له، من أمثال ليون تروتسكي وغوركي بليخانوف وجريجوري زينوفييف وليف كامنييف، فإن علاقة لينين بالوسط الأدبي لم تكن أقل شأناً، خصوصاً مع الروائي الروسي مكسيم غوركي أو مع الروائي الإنكليزي هربرت ويلز أحد مؤسسي روايات الخيال العلمي.

ومع الثورة الإيرانية، لم يختلف المشهد، فقامة فقهيّة وفكرية كبيرة مثل الإمام الخميني، جمعت حولها مفكرين كباراً في طليعتهم محمد بهشتي ومرتضى مطهري، وللأول مؤلفات منها: «الحكومة في الإسلام» و «الإيديولوجيات المعاصرة» و»أبحاث المعرفة» و»النظام المصرفي في الإسلام» و»المعرفة ولغة الفطرة». وللثاني كتب ومؤلفات معروفة ومتشعبة بين «الفلسفة « و «العدل الإلهي» و»الاقتصاد الإسلامي» و»العرفان والدين والفلسفة» و»الإنسان الكامل»، وغيرها، مما جعل أفق الثورة ظاهراً بيناً وطريقها واضحة وجلية.

عودة إلى بيروت وبغداد والقاهرة

هل ما قام ويقوم به المتظاهرون حراكاً مطلبياً أم احتجاجاً أم ثورة أم ماذا؟

هذه المفاهيم بحاجة إلى تفسير

المفكرون يفسرونها

والمفكرون لا وجود لهم في التظاهرات ولا في عملية تفسير المفاهيم، ولا في صوغ الرؤى، وهذه إشكاليات كبرى تطرح أسئلة كبرى:

ماذا لو سقطت حكومة بيروت؟

أو حكومة بغداد؟

أو حكومة القاهرة؟

وأكثر من ذلك: ماذا لو سقطت الأنظمة الثلاثة في الأقطار الثلاثة؟

لا إجابات على هذه الأسئلة ولا أجوبة على هذه التساؤلات، وليس من العقلانية القول إن إسقاط الحكومات يجب أن يتقدم الأولويات، وبعد ذلك لكل حادث حديث ولكل واقعة منطق، فمثل هذا القول ينم عن انعدام الرؤية واحتجاب منافذ الطريق ومسالكها.

صحيح أن الحكمة الصينية تقول: «اشعل شمعة بدل ان تلعن الظلام». والشمعة في هذه الحكمة هي الفكرة العملية التي تضيء الطريق، ولذلك لم يقل الحكيم الصيني امشوا في الظلام، وهذه هي حال التظاهرات في ثلاث عواصم عربية، فلا أحد يعرف أين يمكن أن تحط وإلى أين يمكن أن تسير وإلى أين يمكن أن تطير، وأما الكلام عن «الشارع» الذي ينتج أفكاره ومفكريه وقيادييه، فذاك من «اللغو الثوري»، واللغو عاقر لا ينجب معنى ولا فكرة.

هذه التظاهرات في بيروت وبغداد والقاهرة، شبيهة بتظاهرات «الستراء الصفراء» في باريس، لا مرجعية فكرية لها ولا آفاق فكرية، ولو جرت المقارنة بين تظاهرات «باريس الصفراء» وبين تظاهرات باريس في أيار 1968، ستذهب المقارنة إلى وصف تظاهرات «السترات الصفراء» بالنضوب والشحوب قياساً مع تظاهرات 1968 التي تقدمها فلاسفة مثل موريس بلانشو وجان بول سارتر وجيل دولوز، مما جعلها عميقة التأثير في فرنسا والعالم.

وعلى هذه الحال، وعلى هذه المقارنات، ليس من المرجح أن تنتج التظاهرات في العواصم العربية الثلاث ومدن أخرى أكثر من اضطراب واهتزاز لا تنفع معهما سقوط حكومات أو سقوط انظمة، فليس كل سقوط حكومة محموداً، وليس كل سقوط نظام ممدوحاً. فالفوضى قد تكون أكثر بؤساً من بؤس الحكومات القائمة، خصوصا حين تترافق الفوضى مع بؤس الأفكار وغياب المفكرين والرؤيويين، ووفقاً لذلك يعود الكلام إلى بدئه:

الفكرة قبل الثورة

المفكرون يصنعون الثورة في عقولهم

والثوريون ينزلون بها إلى الشوارع والساحات والميادين

تلك هي الثورة.

وعلى هذه المعادلات تُقاس

ومن هذه المعادلات يطل السؤال الأخير:

هل ثمة مفكرون في شوارع بيروت وبغداد والقاهرة؟!

2019-10-10‎