ربى يوسف شاهين تحاور الاسيرة المحررة منى قعدان!

الأسيرة المُحرّرة منى قعدان لـ حرمون: الأسر رحلة عذاب.. وأوسلو تركت آثاراً سلبيّة في العقل الجمعي الفلسطيني وفي الحركة الأسيرة..
القائد الأسير طارق قعدان لدينا يقين بإرادته وعزمه. وتم أسري مرات عدة طيلة عشر سنوات وخلال الأسر تنتهك حقوق الإنسان نهائياً، بما فيها التفتيش العاري
الكرامة لدى الفلسطيني لا تقاس بالطعام
 
الأسيرة المحررة منى قعدان وخلفها صورة أخيها الأسير البطل طارق
إعداد وحوار: ربى يوسف شاهين
جِراح الفلسطينيين منذ الأيام الأولى للنكبة لم تندمل، واتسعت هذه الجراح واصبح النزيف الفلسطيني جُرحاً لكل مقاوم أصيل، فمن التشريد الممنهج الذي لم يتوقف حتى اللحظة بحق الشعب الفلسطيني، لتطالهم انتهاكات العدو الإسرائيلي المحتلّ حتى في أماكن لجوئِهم، الى أوامر الاعتقالات بكل أنواعها، هي سياسة الكيان الإسرائيلي الغاصب بحق الشعب فلسطين الأبي.
“أوسلو” ما بعدها ليس كما قبلها
لا بد من السؤال بداية عن اتفاقية أوسلو، والتي تُعتبر المؤسس الأبرز لتُمكن هذا الكيان الغاصب من وضع اليد على فلسطين، في مشهدية تقاسم ينكرها الشعب الفلسطيني بذاته.
برأيكم .. ما تداعيات هذه الاتفاقية في الوقت الحالي من وجهة نظر الشعب الفلسطيني المقاوم؟
قعدان: تركت اوسلو بصمات عميقة في العقل الجمعي الفلسطيني، بما أفرز جملة معطيات نقلت هذا العقل للتعاطي التلقائي مع نتائج وجود هذا الاحتلال وكأنها نتاجات واقعية لا بد للحياة أن تستمرّ على ضوئها، ليس فقط كضرورة او حاجة بقدر ما هي تداخلات جوهرية، لم يكن الفلسطيني يغرق فيها قبل اوسلو، وخاصة ما ترتّب على ظاهرة التنسيق الأمني، وهي ظاهرة اخترقت حتى تنظيمات الحركة الأسيرة.
الانقسام جريمة و”أبطاله” سيقول التاريخ كلمته فيهم
عُرف عن الشعب الفلسطيني ولمدة 72 عاماً صموده في وجه الاحتلال الاسرائيلي بشتى الطرق والوسائل، بدءاً من الحجر وكلنا شاهد أو قرأنا عن اطفال الحجارة الفلسطينيين، ومن منا ينسى الشهيد الطفل محمد الدرة.
برأيكم.. ما مدى أهمية تكاتف القوى الفلسطينية بكافة شرائحها بوجه الكيان الغاصب؟
قعدان: تكاتف القوى الفلسطينية في مواجهة المحتل، مقدمة طبيعية لتحقيق خطوة في الاتجاه الصحيح، غياب هذا التكاتف يعكس حالة الهزيمة ليس فقط على المستوى العسكري والميداني بقدر ما يعبر عن رسوخ واقع الهزيمة كنتاج لتفسخ شامل افقي وعمودي، فصائلي بل وجغرافي، بدأ ذلك بين 1948 و1967، ثم ترسخ قدس وضفة وغزة، ثم استقر بين غزة ورام الله، حتى أصبح التفسخ واقعاً حياتياً طبيعياً اعتاد عليه عامة الناس وتقبّلوا نتائجه. وفي كل حال الانقسام جريمة، و”أبطاله” سيقول فيهم التاريخ كلمته..
سياسة العدو الإسرائيلي ومع تعاظم قوى المقاومة على مرّ السنوات هي اتباع سياسة البطش والتنكيل والاعتقال والكل يعلم ان الأسرى الفلسطينيين هم شباب ورجال ونساء واطفال مقاومون للمحتل.
والأسير طارق القعدان وهو من قادة الجهاد الإسلامي، وابن عرابة في جنين تعرّض للاعتقال 17 مرة والاعتقال الأخير كان في 13/2/2019، ورغم كل سياسة الإجرام المتبعة من العدو المحتل ضده لم يبخل على وطنه وزملائه بالمناصرة والدعم عبر إضرابه مجدداً عن الطعام لمدة 60 يوماً.
سلاح الأسير معركة الأمعاء.. والكرامة اغلى من الطعام بكثير
هل لك أن تُخبرينا كيف يتعامل سجّان العدو الاسرائيلي مع حالة القائد الأسير طارق قعدان وهو في هذه الحالة؟ وما مدى تعاون منظمات حقوق الإنسان او الصليب الاحمر مع مطالبه ومطالبكم تُجاه الاسير؟
قعدان: تعامَل السجان مع طارق يحاول التضييق عليه وإجباره لفك إضرابه المشروع، محاولات كثيرة محاولين الانتصار عليه من خلال التنقلات من عزل لآخر ومن زنزانة إلى أخرى، حيث تم نقله وهو في شدّة الإضراب عبر البوسطات الحديدية، من عزل النقب إلى عزل اولهكدار، إلى عزل الرملة، حتى ينهكوا طارق جسدياً أولاً ومعنوياً ثانياً، وهم يعلمون أن عناد طارق وإصراره على سلب حقوقه لا يؤذيه شيئاً، ممارسين عليه كل الضغوط بعزل وقمع ومنع زيارة المحامي لفترة طويلة، ولكن نحن على يقين بإرادة طارق وعزيمته الصلبة ومطالبه العادلة بالحرية لأقوى من كل عنجهيتهم.
واذا أردنا التحدث عن منظمات حقوقية أو دولية أو محلية، فليس لها دور يذكر للأسف وبعد إضرابه لليوم الأربعين وكل يوم أذهب للصليب حتى تتم زيارته من قبل الصليب الأحمر للمرة الأولى، وفي اليوم الحادي والخمسين للإضراب المرة الثانية، علماً ان وضعه الصحي صعب للغاية حسب قول المحامية الخاصة التي تزوره، والعائلة كلها ممنوعة من زيارته من يوم اعتقاله.
ولكن بالنسبة لنا كعائلة كل مطالبنا بالدرجة الأولى الاطمئنان على وضعه الصحي وإنهاء الظلم الإداري بحقه وبإمكان المؤسسات الحقوقية التدخل لذلك.
ومن المعروف أن سلاح الأسير الفلسطيني الوحيد في انتزاع حقوقه المشروعة والهدف الأسمى وهو الحرية، هذا السلاح هو معركة الأمعاء الخاوية والإضراب عن الطعام حتى لو أدت الى فقدان حياته، لأن الكرامة أغلى من الطعام.
ما كاد يخرج من باب المعتقل حتى تم اعتقاله ثانية وما زال
سياسة القمع والسلب والاعتقال تُمارَس من قبل سلطات الاحتلال كل يوم بحق أبناء الشعب الفلسطيني. وهي بذلك تسلب أهم مطلب حق للإنسان الا وهي الحرية.
برأيكم ما صدر من أمر اعتقال للأسير طارق قعدان بتاريخ 13 شباط الفائت وتحوّل أمر الاعتقال إلى ما يُسمى اعتقالاً إدارياً بتهمة العمالة، برأيكم ما الأسباب لتحويل الأحكام الى نوع آخر من الحكم؟ وكيف استطاع الأسير المقاوم طارق قعدان من فرض حقه الذي شرعه الخالق عز وجل وانتهكته أيدي الكيان الغاصب؟ وهل يتم التواصل معه لمعرفة وضعه الصحي؟
قعدان: الأسير طارق قعدان من عرابه قضاء جنين مواليد 27/1/1972 تعرّض للاعتقال 17 مرة من بداية الانتفاضة الأولى وحتى عام 2019 ما بين حكم واعتقال إداري، أمضى في سجون الاحتلال أحد عشر عاماً كان آخرها في 13\2\2019.
كان سبب اعتقاله التعسفي في المرة الأخيرة حسب الاخبار العبرية في اليوم نفس انه اعتقال احترازي للقائد قعدان على خلفية ضرب نفق في غزة والذي ذهب ضحيته سبعة شهداء، حيث تمّ اقتحام البيت بشكل عنيف جداً واقتادوه وهو مريض حيث يعاني من آلام شديدة في معدته. وكانت مقررة له عمليتان واحدة لمعدته وأخرى قسطرة لشرايين القلب ومنعه من وداع ابنه الوحيد المقعد.
وبعد مماطلات مع المخابرات والنيابة لدى الاحتلال تم عليه الحكم لمدة شهرين وغرامة مالية بقيمة 3000 شيكل ولفقوا له تهمة مساندة الأسرى..
وفي اليوم الذي كان من المقرّر الإفراج عنه في 10\4\2019 وبعد انتظارنا استقباله على حاجز الجلمة لمدة ثماني ساعات وصلنا مع شبّ أنه تم الإفراج عنه إلا أنه ما كاد يخرج من باب السجن حتى أعيد اعتقاله من جديد على ذمة الإداري البغيض لمدة ستة شهور بحجة أنه خطر على أمن المنطقة.
وبعد رفضهم الاستئناف أو اعطائه حكماً جوهرياً بعدم التمديد وتبليغه انه سيمدد له ستة شهور وبعدها ستة شهور دون تحديد سقف للإداري، قرر اللجوء إلى الإضراب المفتوح عن الطعام بتاريخ 31|7|2019 رداً على عنجهيّتهم وظلمهم الكبير بحقه وبحق الأسرى كافة وشعبنا.
المرأة مناضلة رفيقة للرجل.. والاعتقال رحلة عذاب مرير
نضال الشعب الفلسطيني لا يقف عند كبير وصغير، وللمرأة الفلسطينية دور كبير في النضال وأنت إحداهن.
الأسيرة المحررة منى قعدان … هل لك ان تخبرينا عن مسيرتك النضالية في سجون الاحتلال الإسرائيلي وما ظروف اعتقالك؟ وماذا تطلبين من المجتمع الدولي والعربي في خضم كل هذه الحروب والتوترات والمتغيرات التي تشهدها الساحة العربية؟
قعدان: دور المرأة لا يقل عن دور الرجل في النضال ومقاومة الاحتلال ولا فرق بينهما. والكل معرض للاستهداف في ظل الاحتلال الغاصب سواء كان بالاستشهاد أو الاعتقال. ولم يفرق المحتل اللعين بين امرأة ورجل في الاعتقال والتحقيق وممارسة الضغوط على الكل الفلسطيني.
تمّ اعتقالي خمس مرات بداية من عام 1999 وانتهاء بالإفراج عني عام 2016، قضيت خلالها ثماني سنوات وفي كل مرحلة لها خصوصيتها وأطوارها حسب الأوضاع السياسية. كان أحد الاعتقالات سنة كاملة بالاعتقال الإداري.
الظروف الاعتقالية صعبة جداً من بداية الاعتقال ومداهمة البيت وتدميره وتكسيره والرعب الذي يقع على العائلة ومصادرة بعض المقتنيات الخاصة، مروراً بتقييد اليدين والرجلين وتغميض العينين أمام الأهل حتى نصل إلى سيارة الاعتقال بحيث لا يعرف المعتقل إلى أين وجهته. وبعدها تبدأ رحلة العذاب من التحقيق الذي رافقه احياناً إضراب عن الطعام كما حصل معي في الاعتقال الأول حيث اضربت لمدة 37 يوماً وكل محطة تحتاج إلى مجلدات لتوثيقها ووصفها من ضرب وشبح وحرمان النوم وتعذيب نفسي واعتقال الاهل من أجل الضغط للاعتراف كما حصل معي، وكنت أنا وأشقائي الثلاثة معاً في السجن.
وما إن انتهى كل اعتقال من هذه المرحلة والتي استمرت في أحد الاعتقالات 63 يوماً، حتى استقر بي الوضع داخل المعتقل مع الأسيرات وبدأت من جديد ورحلة عذاب أخرى عبر البوسطات للمحاكم، والتي كانت بالاعتقال الأخير لمدة ثلاث سنوات حتى صدر الحكم لمدة سبعين شهراً فعلياً، وأربعة وعشرين شهراً وقف تنفيذ لمدة خمس سنوات إضافة لغرامة مالية قيمتها ثلاثون الف شيكل.
وفي كل تفصيل من هذه المراحل تحتاج إلى مجلدات ناهيك عن الحياة داخل المعتقل والتفتيش العاري والتفتيشات الليلية وحالات الاستنفار التي تعرّضت لها وكذلك فقدان الأحبة ونحن داخل السجن عندما توفيت والدتي بينما أنا وشقيقي طارق داخل الأسر ولم نتمكن من وداعها وعدم مشاركة الأهل بالأفراح والأتراح ومنع الزيارة طوال فترة الاعتقال.
‎2019-‎10-‎09