الظلم والغضب !
ابراهيم البهرزي.
بعدما اضحى ابسط الانفعالات مهددا بعطل القلب ، احاول كتابة اخر موضوع ينطوي على شيء من الاحتدام والغضب ،موضوعا عن الظلم والغضب ، موضوعا يتأمل في جنبات حياة امتدت لستين عاما لم يفارق فيها شبح الظلم الشاخص مشاهد هذه الحياة .
الدولة وليس السلطة لوحدها وعبر العقود التي مضت والعهود التي تولت وما جاء بعدها كانت مدرسة كبيرة يتخرج منها الظالمون بشتى تلاوينهم
لم أر َ دولة تتعامل مع شعبها بالحسنى مُذ فطنت على هذه الدنيا
هناك مظالم كبيرة تنتجها الدولة عبر تشريعات وقوانين قاسية تقوم على اعتبار فئات من شعبها في عداد الأعداء ،الخونة ، الدخلاء ،المندسين ، وغير ذلك من صفات السوء ، وهذا حدث في كل العهود التي حكمت هذه البلاد دون استثناء ، تتغير هوية هذه الفئات المتَّهمة بين عهد وعهد ، ولكن أساليب القسوة لا تتغير
تعمد الدولة الى تغذية أدواتها الغليظة وغير الغليظة بروح الاستعداء والتحقير ضد فئات محددة من شعبها ، قد يكون لهذه الفئات عناوين قومية او دينية او طائفية او ايديولوجية ، المهم ان الدولة لابد من ان تصنع لها أعداء وهميين من شعبها وتطلق العنان لأدواتها المختلفة كي تُمارس الظلم والعدوانية خارج إطار اَي قانون وان ادعت الدولة انها دولة مؤسسات وان عقوباتها بحق (هؤلاء ) الخارجين عن القانون إنما تتم وفقا لسياقات القوانين المرعية .
مذابح كثيرة حدثت خلال العهود التي حكمت البلاد العراقية وبكافة اشكالها كانت تضع القانون اطارا لها..
وعدوانية وحشية كانت تمارسها أدوات الدولة التنفيذية تحت طائلة حفظ الامن والقانون
تحت هذه الاطر التي تبدو مشروعة ، كانت الجيوش مثلا ، وعبر كل العقود تُمارس اقصى صنوف القسوة ضد مكونات قومية او طائفية او ايديولوجية بعدما يُسقط عنها غطاء الوطنية في عملية تثقيف تساهم فيها الايديولوجيات المساندة للدولة والتي يبدع مثقفوها ايما ابداع في تسفيه صورة المواطن العدو .
لم يكن حكم القانون بريئا من المشاعر العدوانية في كثير من الأحوال ،فهناك دوما توجيه من الدولة (حتى وان كان خفيا ) بتكييف مواد القانون لإنزال اقصى العقوبات بالمواطن العدو ونشأت جراء ذلك وفِي كل العقود محاكم استثنائية مهمتها تجاوز العدالة !
لم تكتفي الدولة المتوحشة بإطلاق العنان لغرائز الكراهية عند أدواتها الضاربة كي تنفذ القانون ، بل وأطلقت حتى أدوات ( الفنون الجميلة ) الناعمة لتبشيع صورة المقتول وتجميل صورة القاتل
حدث هذا قي كل العهود ، دون اَي استثناء
ظلم الدولة المتوحشة كان مؤطرا دوما بقوانين مفصلة بمنتهى المهنية ، والقانون روح ونوايا ، وعند النوايا تفقد كل المهنية جلالها المهيب ، وفِي ذاكرة كل فرد ،ضحية كان ام جلادا شيء من ذلك عبر كل العهود التي مضت وتوالت .
الدولة تصنع وحوشا بأربطة عنق جميلة وببزات مهابة تُمارس المظالم الشرعية ضد فئات شعب شاهت صورها وحُمِّلت وجوهها بملامح الإجرام قسرا
وصار الظلم احيانا سياقا من سياقات الوظيفة العامة ،فحين يراجع المواطن الصغير واحدا من أوكار الدولة المتنمرة لا تعد إهانته اكثر من روتين وظيفي يجب عليه قبوله مع الشكر الجزيل
تغَوُّل الدولة هذا تمظهر في أشكال شائعة من العدوانية : ان مشهد تناوب عدة أفراد ناصحين تابعين للدولة وهم يتناوشون المواطن الصغير ضربا وبعدوانية مثيرة للعجب إنما هو مظهر صغير من الجانب الوحشي للدولة حين تصبح وحوشها خارج حدود المساءلة والعقاب
فالدولة وحش كبير بعضها يسند بعضا في خلق التبريرات اللازمة لتبرير العدوانية .
تغرورق عيوني بالدمع هذه اللحظة وانا استعيد شريطا من عدوانية ووحشية أدوات الدولة في عهود مضت وعهود تلت ،منها ما وقع علي شخصيا. او وقع على سواي ممن شاهدت .
هل كل هذه العدوانية والقسوة التي يمارسها وحش الدولة ازاء الانسان الصغير ،وحول امور تافهة أحيانا ،هي نتاج حرصهم على المصلحة العامة ؟
ماهي الأفكار التي رسختها الدولة في اذهان وحوشها لتمنحهم كل هذه القسوة على مواطنين صدف وان كانوا في حالة اختلاف مع سياقات الدولة لأي سبب كان ؟
ولماذا تتيح الدولة لأدواتها ممارسة هذه الوحشية المنظورة والمجانية في كثير من الأحيان ، بل وتقنن ذلك من خلال منح هذه الأدوات كل وسائل البطش ، ومن المال العام ؟
خلال كل العهود كنت ارى تغول الدولة وهو يمارس تحت شعار المصلحة العامة وحفظ الامن والنظام في وقت تكون امكانات من تسوقهم الدولة كمخربين بدائية جدا ولا يمكنها خدش جلد الدولة الثخين بقلامة اظفر ( يمر الان امامي مشهدا ربما شاهده كل العراقيين ، مشهدا ربما حدث في ثمانينات القرن الماضي عن قيام قوة كبيرة من وحوش الدولة وهي تفجر بالديناميت شابين غطيت عينيهما ،وهما يتساءلان عن وعود الدولة بالإعفاء عنهما ، فيما يبدو انهما لم يرتكبا جرما كبيرا ، ومع ذلك فقد حدث تفجيرهما وسط حفل كبير !)
وشاهدت عمليات إعدام في ساحات عامة لصبيان هربوا من الحرب ، شاهدت بعيني احدهما وقد كان صبيا شديد النحول ،شاهدته وقد فارق الحياة او أغمي عليه قبل ربطه بعمود الإعدام ، ومع ذلك كان هناك من وحوش الدولة الناصحين من يعاود قتل هذا الميت مرارا وسط هتافات الحماسة والفرح !
وشاهدت في عهود تلت قتلا اشد بشاعة من ذاك ، وفِي كل الأحوال كان القاتل يكرم ويبقى مطلق السراح لتنفيذ مهام قتل اخرى لصالح الدولة
ربما سيعترض احد على عدم تفريقي بين السلطة والدولة فأقول إنما قلت الدولة عامدا لانني رايت عبر كل العهود ان كل سلطات الدولة كانت شريكة في التوغل والوحشية ..
عقود من الظلم المقنن كان على الرجل الصغير المدان ان يختزنها كجراح سيئة التضميد لتستحيل غضبا متراكما يتنقل من جيل لجيل ومن فئة مظلومة لسواها وحين تحين لحظة الانفجار يصبح الهدف هو الدولة !
وسواء كانت هذه الدولة ارتكبت جرما اقل من سابقتها او اكثر فان محمول الغضب المتراكم سيلقي بزخمه باتجاه الدولة
( هناك مكامن غضب لا زالت مستعرة وتنطلق بين حين وآخر رغم انها تعود الى عقود بعيدة وكل ذلك بسبب ترافق الظلم مع الدم )
لم تفطن دولة الى تربية وتهذيب أدواتها من طاقة الكراهية المتراكمة وتخفيف صلافة الظلم لاجل امتصاص مناسيب الغضب المتراكم في الخزان الشعبي الهائل
بل العكس ، فقد حدث ان كانت الدولة ، وفِي مختلف العهود ايضا ، تزيد من جرعات الظلم لدى أدواتها من خلال تثقيفها بأيديولوجيات شرسة
وكل الايديولوجيات بلا استثناء تنطوي على نوع من الشراسة ،لان مامن ايديولوجية لم تصنع لها عدوا من الشعب ، وفِي الغالب فان هذا العدو مصطنع لمصالح النخب السياسية التي تقود الدولة ، والعدو المصطنع اكبر في العادة من العدو الحقيقي ،فهو بلا ملامح ، ومعنى هذا ان الدولة تستطيع ان تلبسه ما تشاء من الملامح !
بل وأكثر من ذلك ان الدولة صنعت لها ومنذ عام ١٩٥٨ حتى اليوم قوة موازية من هذه الايديولوجيات تستطيع ممارسة التغول برعاية الدولةومن دون ان تحمل الدولة وزرا من تجاوزاتها! في لعبة شيطانية لتجاوز ما تبقى من ديكورات قوانين الدولة
ظلم الدولة قد يتحول الى استهتار ، فأدوات الدولة حين تتجاوز القوانين المرعية وتصبح تجاوزاتها خارج نطاق المساءلة القانونية ، من حيث التصرف بادوات القوة او بموارد المال ، وحين تتصرف هذه الأدوات كمؤسسات مصونة غير مسؤولة ، لا يملك الغضب المتراكم الا ان يتحول الى فوضى
ما الذي يخسره المواطن الصغير عند موته طالما ان الوحش الكبير لم يبق لديه ما يستحق الحياة ؟
في ثنائية الظلم والغضب والتي تستحيل احيانا الى ثنائية الاستهتار والفوضى ليس من العدل ان تعامل الغضبان معاملة الظالم
ان الإنصاف يوجب ان تشير الى منابع الظلم المتواتر في دولة مارست انظمتها الظلم قرابة قرن من الزمان وسط تغاضي وصمت النخب الثقافية ومداراة الايديولوجيات المتصارعة على هذه المظالم لأسباب انتهازية نفعية ، هذا الامر الذي أدركه الشعب مؤخرا فلم يوفر غضبه على الدولة فقط بل طال حتى الايديولوجيات المراوغة…
أية فكرة لتفكيك ثنائية الظلم والغضب التي جعلت من شعب يبدو ساكنا طوال مسيرته يتحول لبرميل غضب عفوي دونما أية موجهات او رؤوس ايديولوجية ،
أية فكرة سليمة يجب ان تنطلق من مبدأ اجتثاث منابع الظلم والاستهتار الراسخ في بنية الدولة،
وان يعاد تهذيب أدوات الدولة لتغيير طريقة تعاملها مع المواطن دونما فوقية او عدوانية ،بل زرع مفهوم الموظف الخادم الذي يكسب اجره من خلال تقديم كل أشكال الخدمة مع الامتنان للمواطن الصغير
كل تصرف ظالم قد يقابل بالصمت في حينه ،غير انه سيبقى دينا في الوجدان الشعبي ، دينا في رصيد الغضب الذي لا يمكن التكهن بزخمه ولا بساعة انفجاره ،فهو نتاج مجموعة مظالم قد تكون صغيرة جدا تتراكم على بعضها…
تنطلق الفكرة السليمة للعلاج الناجع من خلال توجيه أدوات الدولة بان اَي فعل ينطوي على الظلم لابد ان يرتد يوما في صورة غضب شديد الخطورة او هو فوضى مؤجلة لا تحمد عقباها وقد تطال القوي قبل الضعيف ، مع ضرورات تشديد العقوبات لمن يسيء استخدام السلطات الممنوحة له وهي فكرة ربما تكون مجدية قبل فوات الاوان ..
( مصطلح المواطن الصغير او الرجل الصغير استخدمه الألماني فيلهلم رايش كدلالة عن المواطن الذي لا حول له بعكس المواطن الكبير او الرجل الكبير وهو المواطن المسنود من مصادر قوة مختلفة )
‎2019-‎10-‎08