الاعتراف بالكيان بين: الاستشراق، الدين السياسي، واستدخال الهزيمة – ستالين، تروتسكي، تشومسكي والطابور السادس،! 

عادل سمارة.
 يشترط هذا العنوان ربما كتابا كاملا أو أكثر، ولكن لا بأس ببعض الإشارات. فالكيان الصهيوني الإشكنازي تصنيع الرأسمالية العالمية تواكب مع انتقال أوروبا من الإقطاع إلى الرأسمالية منتقلة إلى مرحلة الراسمالية التجارية التي هي حالة مبكرة من العولمة ارتكزت على السوق العالمية إثر سقوط الأندلس وسيطرت اسبانيا والبرتغال لمرحلة على بقاع عدة من العالم  وما
تسمى الكشوفات الجغرافية التي تبعها تصريف الفوائض  البشرية من أوروبا إلى الأمريكيتين من جهة وتولدت عنها ظاهرة الاستعمار في عصر راس المال من جهة ثانية.
تولد في حقبة الراسمالية التجارية دور الشركات في تخادمها مع الدولة، وهو الأمر الذي آل مؤخرا إلى خدمة الدولة للشركات.

في هذا السياق تولدت فكرة إقامة مخافر حراسة الشركات وخاصة شركة الهند الشرقية سواء الهولندية أو البريطانية. وهذا ما تبعه الدعوة لتوطين يهوداً في فلسطين على شكل دولة أُعطيت تسمية “وطن قومي” لتجميعات بشرية من مئة قومية!
ربما منذ تلك اللحظة تولد تيار الدين السياسي في الأديان. وهو تيار سياسي دولاني شركاتي مؤداه التغطية بالدين على مصالح راس المال، أو تخديم الدين لراس المال.
بناء على هذا التوجه، تم اعتماد قراءة أخرى حتى للرواية الدينية بديلا للرواية التاريخية وبديلا للواقع العياني.
بدأ وضع الدراسات التي تفترض دولة  لليهود في فلسطين، وهي دراسات موجهة بأهداف استشراقية راسمالية ثبت مع الزمن ومع الدراسات الجادة انه ليس هناك ما يثبت أركيولوجيا دولة لليهود في فلسطين وبأن ذلك كان لقبيلة عربية اسمها بني اسرائيل في الجزيرة العربية و اليمن.
هذا يعني كما كتب كمال صليبي و فاضل الربيعي وغيرهما بأن الزعم بوجود دولة يهودية في فلسطين هو مشروع تشويه للتاريخ بل تحريفه بما يخدم المشروع الاستعماري ضد الوطن العربي.
وهو بنظرنا مشروع راسمالي استعماري شركاتي ايضاً.
وعليه، فإن الكُتاب الذين تورطوا في هذا الزعم ليسوا علميي التوجه وبأنهم أدوات لقوى الدين السياسي بما فيها الصهيونية .
أدى الشغل المتواصل على هذا الزعم والتشويه إلى جعل الرواية التوراتية بطبعتها المسيسة غربيا وراسمالياً مثابة مرجع “علمي” لتبرير اغتصاب فلسطين والزعم بأن تابعي الديانة اليهودية المنتشرين في كل العالم وضمن قرابة مئة قومية، بانهم جميعا من أصل واحد ممتد منذ ثلاثة آلاف سنة! وهذا أمر يناقض أي تحليل علمي لوجود واستمرار الأعراق وخاصة أن الجغرافيا متناثرة والتاريخ الواحد غير متوفر.
خطورة هذه الرواية المصطنعة أنها أولجت في روع الساسة في معظم دول العالم ذخيرة الزعم بأن فلسطين هي أرض ما تسمى “دولة” اليهود قبل ثلاثة آلاف سنة، ومن ثم التمسك بما يُشاع بأنها “أرض الميعاد” .
ومسالة أرض الميعاد تعاني من مقتلين:
الأول: أن هذه الأرض إن وُجدت فهي علميا وأركيولوجيا ليست في فلسطين
والثاني: أن اتباع الرواية الدينية وخاصة المحرَّفة هو إنكار فج للرواية التاريخية بما هي علمية، وعدوان ضد الشعب العربي الفلسطيني.
والآن، لنضع جانباً منظِّري الاستعمار وراس المال والإمبريالية والصهيونية سواء الاستشراقيين أو الذين يعملون بموقف عدواني واضح ضد القضية الفلسطينية وضد الأمة العربية لنصل إلى أو ننتقل إلى الماركسيين الذي دعموا واعترفوا بالكيان الصهيوني؟
وقد يكون جوزيف ستالين وتروتسكي نموذجا في هذا المجال.
فالمفترض من جهة، أن ستالين ماركسي/شيوعي لا يتبنى الرواية الدينية حتى دون تحريفها مما يعني أن عليه رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني طالما أُقيم على اسس دينية اي توراتية.  ومن جهة ثانية، فإن دعم واعتراف ستالين، وطبعا الاتحاد السوفييتي بالكيان الصهيوني بما هو، اي الكيان، تصنيع راسمالي عابر لمراحل التطور الخارجي للراسمالية الأوروبية ومن ثم
الأورومريكية (الراسمالية التجارية، فالصناعية فالإمبريالية فالعولمة وجميعها استعمارية)، هو دعم وموقف تابع لموقف الرأسمالية والاستعمار تحديدا وخاصة الاستيطاني! بل  هو موقف تابع لرأس المال. ومِمَّن؟ من زعيم الكتلة النقيضة لراس المال!
عن ماذا ينمُّ هذا؟ بوسعنا القول بأنه ينم عن عاملين على الأقل:
العامل الأوَّل: وهو الفقر في التخصيب النظري ومن ثم التحليل على أرضية فلسفة الاقتصاد السياسي الماركسي للنظام الراسمالي العالمي وهو الذي دفع الاتحاد السوفييتي إلى سباق مع الرأسمالية على اجتذاب الكيان الصهيوني الذي هو وليد الرأسمالية نفسها من جهة أولى، ومن جهة ثانية هو كيان راسمالي وإن شابته توشيحات كيبوتصية لزوم الدعاية  بأن هناك ملامح
“إشتراكية” للكيان، ومن جهة ثالثة، أن الكيان حالة استيطانبة اقتلعت شعبا وحلت محله بشكل موصوف.
وعليه، إذا كانت قيادة الاتحاد السوفييتي قد افتقرت إلى التقاط جوهر التحليل على أرضية الاقتصاد السياسي للماركسية، وإذا كانت قد توهمت بقدرتها على أغواء وإغراء الكيان الصهيوني ليكون تابعا لها او حليفاً، وهو حلم راود/لازم الاتحاد السوفييتي حتى نهايته ولا يزال يراود روسيا الاتحادية، فإن ما لا يمكن تفسيره أو إيجاد مبرر له هو: تواطؤ الاتحاد
السوفييتي عن الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي ضد الشعب العربي الفلسطيني.
والعامل الثاني: هو أن ستالين نفسه كان استشراقي النظرة إلى العرب والفلسطينيين، حيث نظر الاتحاد السوفييتي إلى فلسطين من منظور أن تتحول إلى مستوطنة لليهود بقيادة الحركة الصهيونية وتخيَّل من عندياته أن الكيان سوف يتحول إلى نظام اشتراكي، وهذه نظرة استشراقية تجاه “تحولات” الكيان نفسه! . وهذا امر واضح بغض النظر عن الحديث عن دولة واحدة بين أهل البلاد والمستوطنين. اي قرر السوفييت بأن على فلسطين ان تتخذ هذا الشكل والمصير. والمثير للتساؤل عن الصحة النفسية، ناهيك عن الفكرية، للفلسطينيين والعرب الذين يتمسكون بهذه الدولة الواحدة بعد كل ما جسده هذا الكيان من الإصرار على أخذ كل شبر من فلسطين وخاصة بعد إقرار “قانون القومية” مؤخراً لتجمع لا قومي من جهة ومواصلة الهدف العدواني بإحتلال ارضي عربية ما بين نهري النيل والفرات، اي ما بعد فلسطين!
 وينسحب الأمر نفسه على رؤية ستالين نفسه للأمة العربية بأنها “أمة في طور التكوين”! بينما اعترف بكيان تم تصنيعه إمبريالياً تحت ناظريه. لقد عجز ستالين والمحللون الرسميون هناك حينها عن رؤية أن الوطن العربي وطن “أمة/وطن قيد الاستهداف الدائم” من الغرب الراسمالي من  مراحله العدوانية الخارجية المتوحشة  المتمثلة في (الاستعمار، فالإمبريالية فالعولمة) وبأن الوحدة العربية وحتى التحرر هي مشاريع يجري تقويضها بعدوان خارجي قبل أن يكون ذلك بقوى محلية تابعة.
لم يقتصر هذا الموقف الاستشراقي على الاتحاد السوفييتي بل وجدناه لدى العديد من القوى والمفكرين اليساريين على صعيد عالمي ولا سيما الحركة التروتسكية، ومفكرين من طراز سارتر وبيير بورديو الذي اتخذ موقفاً مموهاً، ربما ككل إنتاجه حيث بقي على حواف المواقف والتطورات ، وما بعد حداثيين من طراز  فوكو وديريدا وجيجك حالياً، ناهيك عن كتاب لبراليين من نمط نوعام تشومسكي الذي يصرح حتى اليوم بانه صهيوني وبأنه ضد دولة مشتركة بين العرب واليهود لأن في ذلك، برأيه،  ظلم لليهود. هذا مع ان الثرثرة عن دولة مشتركة هو جريمة في حق الفلسطينيين أهل الأرض. أما مثقفي الطابور السادس الفلسطينيين والعرب فلا يجرؤون على نقد تشومسكي بعد أن حولته الإمبريالية إلى وَثَنْ فعبدوه، دون أن تعبده الإمبريالية الرسمية. هذا من جهة ومن جهة ثانية لأنه هؤلاء المثقفين مضمخين باستدخال الهزيمة حيث يعتبرون المحتل 1948 هو “وطن” للصهاينة، وبالتالي يسيرون وراء خبث تشومسكي وأمثاله الذين يحصرون نقدهم للكيان في سياساته في المحتل 1967 من
فلسطين.
وإذا كان لنا أن نعتبر تواطؤ الغرب الراسمالي والعديد من الماركسيين واللبراليين من غير العرب إما مستشرقين أو عنصريين، فإن هذا لا يمكن سحبه على الفلسطينيين والعرب. لقد كتبت قبل اكثر من ثلاثين سنة بأن هناك دور لعرب في إقامة وبناء الكيان الصهيوني بدءاً من دور آل سعود والهاشميين عام 1918، وصولا إلى تسهيل هجرة اليهود العرب إلى الكيان وصولاً إلى
الاعتراف بالكيان نفسه كما فعل النظام المصري ثم م.ت.ف والأردن وصولاً إلى أنظمة الخليج النفطي. بل لقد وصل التطبيع الرأسمالي الفلسطيني إلى الاستثمار في اقتصاد الاحتلال كما ورد في رسالة ماجستير ل سمير سميرات (جامعة القدس) قبل عدة سنوات حيث وجد ان هناك استثمارات فلسطينية داخل الكيان تفارب 6 مليار دولار.
يمكننا تصنيف الاعتراف العربي والفلسطيني بالكيان الصهيوني ضمن فئتين:
الأولى: استدخال الهزيمة، اي شعور واقتناع وتصرف البعض كمهزوم لا يقوى ولا يجرؤ على اية مقاومة حتى مشافهةً. وتنقسم هذه الحال طبقاً لطبيعة الأنظمة السياسية العربية التي تنقسم بالعموم إلى قسمين/فريقين:
·       أنظمة المنحى التطوري التابع منذ البدء بما هي أنظمة بلورها الاستعمار، وهذه غالبا أنظمة الخليج والأنظمة الملكية التي لم تشارك في اي نضال حقيقي ضد الكيان الصهيوني. اي وصلت إلى حالة الاستسلام المخفي بداية ثم حالة الاستسلام العلني لاحقاً والذي يقارب المشاركة في العدوان ضد الشعب العربي الفلسطيني وبالطبع العروبة.
·       وأنظمة المنحى التطور الاستقلالي والتنموي والتي تولدت فيها تيارات سياسية وخاصة العروبية (مصر سوريا العراق ولاحقا الجزائر)  والتي تورط بعضها، مصر مثلا، في الاعتراف بالكيان الصهيوني.(أنظر كتابنا :دفاعا عن دولة الوحدة)      
والثانية: ظاهرة أنظمة وقوى الدين السياسي التي تخدم الكيان الصهيوني إما مباشرة كما صرح الرئيس المصري السابق محمد مرسي، أو عبر تدمير الجمهوريات العربية بقيادة العدو العثماني وهي خدمة تصب في صالح بقاء بل واندماج الكيان الصهيوني اندماجا مهيمنا في الوطن العربي.
_________
نشرة “كنعان” الإلكترونية 
‎2019-‎10-‎06