عشاق بلا نساء …عشاق لكل النساء !

إبراهيم البهرزي.
هناك نوع من المبدعين لا يتصالحون مطلقا مع اَي شيء، إفراطهم المرضي في البحث عن المثال يقودهم الى اضاعة كل احتمالات الفوز بشيء ،اَي شيء
في موضوعة الحب التي هي المكافيء الرمزي الوحيد للفوز بمعنى الحياة ، او اسباغ معنى على الحياة ،يتخبط هذا النوع من المبدعين في علاقاتهم الى الحد الذي يضيعون فرصة الاستقرار العاطفي ويخسرون حياتهم مبكرا مابين انتحارفعلي مباشر او انتحار ضمني بطيء
الكاتب لويس غروس تابع في كتابه (مالا يدرك ) علاقة ثلاثة من هؤلاء المبدعين القلقين مع النساء..
باعتقادي ان من يحيي او يقتل المبدع (الذكر ) هو المرأة وطبيعة علاقته بها
من المؤكد ان هناك مبدعين قنوعين يلتزمون بحب مستقر ويجعلونه اطارا لاستقرارهم الحياتي ودافعا لتطور نتاجهم الإبداعي ، بول ايلوار وماركيز مثلا وآخرين
لكن كتابا مثل كافكا وفرناندوبيسوا وتشيزار بافيزي الذين يتناولهم الكاتب في هذا الكتاب ماكانو على الإطلاق يعرفون الاستقرار مع امرأة ما ولاكانت النساء العديدات اللواتي ارتبطوا بهن يعرفن بالضبط ما يريدون فقد كان ( الوصول الى النساء تحديدا أمرا شاقا بالنسبة اليهم سواء على المستوى الجنسي او العاطفي )كما يخلص الى ذاك المؤلف
هؤلاء الكتاب الثلاثة رحلوا مبكرين جميعا في مطلع او أواسط الأربعينات من أعمارهم ولَم يتزوج أيا منهم ولَم ينجب بالطبع
بل ان كافكا وبيسوا لم يعرفهما احد في حياتهما ، فبيسوا طبع كتابا صغيرا واحدا في حياته لاجل المشاركة في مسابقة ادبية بسبب حاجته للمال وفاز فيها بالجائزة الثانية بعد كاتب لم يعرفه احد مطلقا بعد الجائزة!
اما كافكا فلم يطبع شيئا ابدا حتى لحظة موته ، بل انه كان قد أوصى صديقه الوحيد ماكس برود،بل أمره ، بإتلاف كل مخطوطاته البالغة حوالي ٤٠ مخطوطة بعد موته !
لكن برود لم ينفذ الوصية ما جعل ميلان كونديرا يصفه بالخائن لعدم التزامه بوصية صديقه كما أشار الى ذلك في كتابه ( الوصايا المغدورة )
عرف كافكا العلاقات العاطفية في سن مبكرة حدا، وكانت اغلبها مع مراهقات صغيرات، وقداعترف في رسائله التي كتبها لميلينا بتردده على العاهرات وميله للخادمات والطباخات والزوجات الخائنات ويجرؤ ان يكتب لها مرة ( لقد مررت امام بيت الدعارة كما لو انني امر امام بيت خطيبتي )!
ان الحياة المنعزلة التي عاشها كافكا حتى لحظة موته عام ١٩٢٤ يمكن الاستدلال عليها بهذا النعي الوحيد الذي كتبته صديقته ملينا :
( لقد توفي امس ،فرانز كافكا ، كاتب ألماني كان يعيش في براغ،قلة هم من يعرفونه هنا ،لانه كان منعزلا ،رجلا حكيما يهاب الحياة ….)
ولا احد غير ملينا فطن لموته ،بما في ذلك صديقه الوحيد ماكس برود الذي كان غائبا عن المشهد
وبعد حوالي عشرين عاما من موته فطن العالم لمخطوطاته التي نبهت العالم الى نمط مختلف من الكتابة ،نمطا تاخر العالم عن اكتشافه اكثر من عشرين عاما..
بعثر كافكا عواطفه عبر نساء عديدات بعضهن اشبه ب طفلات غريرات لا يعرفن الحب وطالبات مراهقات وعابرات يصف في يومياته اجسادهن وملابسهن بدقة دون الحديث عن مشاعر عميقة ، وربما كانت ملينا التي حظيت باكبر كم من الرسائل اكثرالنساء احتمالا لنزواته ، وربما تكون طبيعة الحياة المشابهة التي عاشتها هي من أعانها على احتمال نزواته ،فقد اغتصبت وهي في الرابعة عشر من عمرها. وارتكبت جريمة قتل لصديق والدها بعد ذلك وغرقت في الكوكايين وتخبطت في حركات قومية يهودية وتنظيمات شيوعية حتى لاقت حتفها موتا من الجوع في معسكر اعتقال نازي بعد اكثر من عشرين عاما على رحيل كافكا
اما بيسوا الذي كما ذكرنا بانه لم يطبع في حياته غير كتيب صغير، فقد تعرف هو الاخر على النساء في عمر مبكر من حياته ، الكثير من النساء الغريرات اللواتي لا يتذكر اسمائهن…
يكتب طبيب نفسي عن حالته ( كانت تنتابه نوبات فجائية وغريبة ،كان يمشي في الشوارع بخط متعرج وهو سكران او يتظاهر بانه يبحث عن أشياء مفقودة في الارض )
كانت أوفيليا كيروس هي الحب الوحيد الذي استمر معه اطول وقت ممكن ،كانت مراهقة صغيرة التصقت به وكان غالبا ما ينصحها بالابتعاد عنه لفرق السن بينهما ولعدم قدرته على التواصل ، لكنه في الواقع لم يكن يمكنه العيش دونها وكان يسميها( جسد الغواية الصغير ) وبينما كان يعايش بعض العابرات جسديا الا ان قصائد الحب التي كتبها كانت كلها لاوفيليا سواء تلك التي كتبها باسمه (فرنانداو بيسوا ) او التي كتبها بالاسماء الكثيرة المستعارة التي كان يكتب وينشر بها حتى انها كانت تعتقد انها معه كانت تعيش برفقة اكثر من عاشق واحد
حين مات بيسوا عام ١٩٣٥ لم تكتشف أعماله ومخطوطاته الا بعد ٢٥ عاما في العام ١٩٦٠ وهي لم تُزل حتى هذه اللحظة قيد الدرس والتحقيق ، الناقدة ما ريا البيش غالوث التي عكفت على دراسة اعماله تكتب ( كل شيء كان مجزأ ،وذا اهمية بالغة ، المواد المتوفرة تاريخها غير مؤكدوترتيبها ملتبس ايضا ، جزء كبير من النسخ الأصلية يصعب قراءتها للغاية انها مغامرة كبرى على مستوى النقد النصي )
ولا أظن احدا لايشفق على هذه الناقدة اذا ما عرف ان هذه المخطوطات تحتوي على ٢٥٥٤٣ نص !
ان الاضطراب العاطفي لفرناندو بيسوا وتبعثر مشاعره بين النساء يمكن فهمه من خلال رسالة وجهها لأخته التي استفسرت منه عن علاقاته العاطفية :
( كل واحد منا هو اثنان ، وعندما يلتقي شخصان فمن النادر ان يكون الأربعة على وفاق )
في الحقيقة، كما اعتقد ، ان بيسوا كان اكثر من اثنين ،بل ربما كان اكثر من عشرة أشخاص بحسب الاسماء المستعارة التي كان يكتب بها
الا ان أوفيليا (جسد الغواية الصغير ) كانت امرأة واحدة ظلت وفية له ولَم تتزوج حتى رحيلها عام ١٩٩١ اَي بعد ٥٦ عاما من رحيله ..
بالنسبة لتشيزار بافيزي الذي انتحر عن ٤٢ عاما ، كان الامر مختلفا بعض الشيء ،فقد كان له في حياته بعض النتاج المطبوع ،رغم ان شهرته الكبرى جاءت بعد انتحاره وصدور يومياته : مهنة العيش
يتذكر بافيزي بألم دون ان يخفي امتعاضه من امه ،يتذكر ذلك المشهد الذي كان فيه والده على فراش الموت وهو يتوسل بأمه ان تنادي جارة لهم كان يحبها لاجل ان يراها قبل الموت وكيف ان امه كانت ترفض بشدة .
قد لا اتفق مع مؤلف الكتاب الذي يحلل بطريقة فرويدية السلوك العاطفي لبافيزي استنادا على هذه الواقعة ( كما حلل ايضا بهذه الطريقة سلوك بيسوا وكافكا من قبله مستعرضا علاقتيهما مع اميهما ) الا انها تبقى واحدة من طرق التفسير !
عاش بيسوا في الريف الإيطالي وما يتيحه المكان من علاقات عابرة كان مهادها الحقول ومرت كشظايا في اعماله غير ان بداية النضوج العاطفي كما ترشح بذلك يومياته كانت مع فتاة يسميها ( امرأة الصوت الأجش ) والتي هي طالبة الرياضيات الشيوعية التي ورطته بمراسلات مع سجين شيوعي ما تسبب له بالسجن والمنفى لثلاث سنوات وليحد بعدها انها قد تركته وتزوجت رفيق اخر ما اطلق لشهواته العنان بعدها في علاقات عابرة مع فرناندا ، نتاليا،كوني ، اويبيريا وكن في الغالب من طالباته المراهقات وقدوصف روحه بانها ( روح شهوانية -مأساوية، وضيعة-ساخرة، حسية-مثالية )
غير ان اكثر قصة حب عاشها كانت مع الممثلة الامريكية كونستانس دولينغ والتي جاءت روما للمشاركة في احد الأفلام ،غير ان العلاقة لم تكتمل لسفرها الى بلدها ولَم يكن بافيزي الذي لم يغادر بلده ابدا مستعد للسفر اليها
لم يترك بافيزي الكثير من الرسائل لعشيقاته لانه يعتقد كما كتب في رسالة لأخته ( عندما يكتب الرجل رسائل بدلا من القصائد فهو رجل منتهٍ )
من نساء بافيزي العابرات بين عشيقات وعاهرات ظلت تتردد صورة ( امرأة الصوت الأجش ) والتي عرف فيما بعد بان اسمها باتستينا بيزاردو تلك الرفيقة الشيوعية التي ورطته بالسجن وتزوجت رفيقا اخر
هل كان بافيزي يعاقب نفسه ام يعاقب النساء في صورة بيزاردو بإلحاحه على وطء العاهرات ؟
في يوم انتحاره تقول موظفة الفندق الذي انتحرفيه انه وقبل انتحاره قد اجرى اربع او خمس مكالمات وتحدث بشكل ملح مع عدة نساء دعاهن للحديث ،للغداء،المضاجعة،او لأي شيء فلم يحصل الا على الاعتذار اللبق
ما الذي يدفع رجلا يائسا مصمما على الانتحار للتوسل هكذا بنساء عابرات من احل متع عابرة ؟
ربما كانت اخر الجمل التي كتبها قبل انتحاره تفسر هذه المجانية بالعلاقات (هل تستغرب ان يمر آخرون بك دون ان يعلموا ،بينما تمر انت بآخرين كثر ولا تعلم ايضا )
هذه العدمية العاطفية التي لاشك انها قصرت من عمر كل واحد من هؤلاء المبدعين الثلاثة ربما تكون ظاهرة ثقافية محيرة القت بظلالها على مبدعين اخرين دون ان تثير انتباه من يحيط بهم
في العراق مر بمثلها السياب وربما حسين مردان ،على الأقل في ثيمة حب كل النساء معا والمغادرة دون امرأة
(نعم تزوج السياب ، ولكنه زواج وانا اتحدث عن الحب !

2019-10-01