في جلال الموت وهيبته !
ابراهيم البهرزي.
الموت هو حقيقة حياتنا الوحيدة ،لا اتذكر قائل هذه العبارة ، والموت هو فايروس يصيبنا مُذ لحظة الولادة وينمو معنا حتى يطيح بِنَا في لحظة لا نعلمها ، والموت هو الخسارة الوحيدة التي لا تفرح بها لو حدثت لأعدى أعداءك ،لان فرحك بها هو فرح مؤجل بموتك الشخصي الذي ينتظرك عاجلا ام آجلا
ولا أظن ان عاقلا يفرح بموته الشخصي مهما كانت درجة سوء حياته
تربينا على قاعدة توصينا بان نذكر محاسن موتانا ، باعتبار ان لكل فرد محاسن ومساويءٌ ، وهو تعبير معناه الحقيقي أيضا :
ان تغاضوا عن مساويء موتاكم
فهل يعني ذلك ان نتعامل مع موضوعة الموت خارج مفاهيم العدالة والإنصاف ، فنبتكر تحت وطأة جلال الموت وخفة المشاعر التي تنتابنا محاسن لاوجود لها لبعض الموتى بدافع العواطف الناشئة من عصبيات مختلفة شتى ؟
وبالعكس ايضا ،هل من الإنصاف ان نلحق ببعض الموتى مساويء لا اساس لها بدوافع المشاعر المتأتية من العصبيات نفسها ؟
نوجز احيانا كل ذلك بعبارة مبهمة واحدة :
الله يرحمه !
وهي عبارة تحتمل الوجهين : ان يرحمه الله لما قام به من مساويء في حياته ، او يرحمه لما قدم من محاسن في حياته
واذكر في عهد بعيد ان شخصا قد طالته حقيقة الموت وكنت لم أنل منه غير الاذى مثل كثيرين سواي ،وربما نال غيري منه اكثر ،ًاذكر اني قد سمعت من شخص هذه العبارة الروتينية بحقه فقلت :
ان يرحمه الله فلا مانع لدي ، ولكني لن ارحمه !
اعترف ان عهدا بعيدا قد مضى على ذلك وان تجربة التقدم في العمر قد جعلتني اشعر بالندم على ماقلت
عند شعوب لا تبذر مشاعرها بالمجان يقابل الموت بالصمت والوجوم في تعبير اقل معانيه : ان الحقيقة قد أصبحت في ذمة الله
هذا طبعا بالنسبة لمن يؤمنون بالله
اما من لا يؤمنون منهم فربما كانت دلالة صمتهم تعني ان لاجدوى بعد من القيل والقال ،فقد مضى الى حفرة لا معنى للثواب والعقاب فيها
اما عند شعوب تعاني اسهالا بالمشاعر وولعاً بالاستعراضات للحد الذي لا تحترم فيه هيبة الموت بصخبها ومهرجاناتها المفرطة ،فان الامور تجنح احيانا لممارسة الزيف والتزوير في وقت لا ينفع الميت فيه تاج ولا يضيره قيد
اعتقد ان الصمت ازاء واقعة الموت هو ما يمثل الحزن الصادق ، اما الصخب فهو استعراض الأحياء للتعبير عن ولائهم لعشيرة الميت اوطائفته او حزبه او أية جماعة يمثلها وهو تجل للعصبيات البدائية التي لم تزل تَسِم اكثر الجماعات ادعاء للعقلانية
يحتاج الموتى لوقت طويل من الموت قبل ان نقرر أنصاف حياتهم وإعادة استذكارهم وتقويمهم
وقت تهدا فيه المشاعر الصاخبة التي عادة ماتفقد الانسان توازنه وتجعله يذكر محاسن موتاه بإنصاف،
محاسنه وشيئا من مساوئه لاجل العبرة والحق والعدل ..
(بمناسبة شيطنة ورحمنة الكثير من الموتى تحت تاثير العصبيات البدائية المنافية للمنطق والواقع والإنصاف )
‎2019-‎09-‎29