حنا بطاطو : العراق . الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية !
عرض : علي رهيف الربيعي ( القسم 3 )
تظهر الحقائق ، دون أي لبس كما يشير بطاطو أن للسياسة المعارضة أو الثورية في العراق مظاهر بنيوية مميزة ، ولا يمكن فهمها بشكل جيد من خلال تركيبتها الشخصية البحتة . فجذور كل الأحزاب والحركات السياسية الهامة ، بمن فيها الشيوعيون والضباط الأحرار والبعثيون ، تمتد إلى التغيرات والتحولات البنيوية التي نجمت عن عملية الربط التدريجي للعراق بسوق عالمية تعتمد على الصناعة الكبرى . ومن هذا المصدر نفسه ، تدفق النزوع إلى الثورة الذي وجد تعبيراته الأقوى في ثورة ١٩٢٠ وانقلابي ١٩٣٦ و ١٩٤١ العسكريين ، ووثبة ١٩٤٨ ، وثورة تموز ١٩٥٨ .
وقفت على رأس قوى المعارضة ، بعد الاحتلال الانكليزي مباشرة ، فئتان اجتماعيتان هما فئة ” أرستقراطية ” المسؤولين القديمة ، وفئة التجار ” الجلبيين ” . فقد تشكلت الفئة الأولى من عائلات مرموقة ، من أصول تركية أو قوقازية في الغالب ، شكلت أحد العناصر المكونة لطبقة أصحاب الأراضي ، وأدى مجيئ الانكليز إلى حصول تغير حاسم على أوضاعها ، إذ لم يكن من السهل على أفرادها ، بعد أن كانوا في موقع القيادة ، أن يتكيفوا مع دورهم الجديد كرعايا ، ولا شك أنه كان لهذا حسابه في الدور البارز الذي لعبته هذه الارستقراطية في ثورة ١٩٢٠ . وبعد تأسيس الملكية ، دمجت هذه الفئة بالآلة الإدارية المعاد بناؤها ، وجهدت لكي تكون عاى علاقة جيدة سواء بالملك أو بالانكليز ، وأصبحت أخيرا جزءا من الطبقة السياسية ، حيث تسلمت ، في الفترة ١٩٢١-١٩٥٨ ، ١١٠ تعينات وزارية من أصل ٥٧٥ و ٦ مناصب رئاسة وزارة من أصل ٥٨ ، علما بأن نسبة ٧ ، ٦٢ في المئة من هذه التعين ذهبت الى ٥ عائلات فقط ( الكتاب الأول ، ص ٢٥٣-٢٥٥) . أما فئة ” الجلبيين ” وغيرهم من التجار ( ” جلبي ” كلمة تركية الأصل تعني رجل نبيل الأصل ، وكانت تستخدم لقب شرف أو تبجيل يخص بها التجار ) ، فقد كانت مشكلة أساسا من تجار يرتبطون باقتصاد البلاد الرعوي وشبه الرحلي ( تجار الجياد والأغنام والإبل ) ، كما يرتبطون بعلاقة وثيقة بالصناعة المحلية . ونتيجة تضررها من توسع القوة الأوروبية ورأس المال الأوروبي ، قدمت هذه الفئة سلسلة كاملة تقريبا من المعارضة العراقية ، حيث كان هنالك الكثير من الأعضاء البارزين في حركات المعارضة ، خلال سنوات الهيمنة البريطانية وفي العهد الملكي ، من أبناء عائلات الجلبيين التي كانت ترتبط بالأشكال القديمة للصناعة أو طرق النقل وعرفت تراجعا في ثرواتها ولكن ليس في هيبتها ، أو من عائلات جلبيين كانت ترتبط اقتصاديا بتركيا ( المصدر نفسه ص ٣٣٠-٣٣١) . وقد برز من بين صفوف هذه الفئة بوجه خاص جعفر أبو التمن الذي كان أبرز زعماء انتفاضة عام ١٩٢٠ ، ثم أصبح زعيما للحزب الوطني ، الذي خرج من صفوفه في الثلاثينات والأربعينات رجال قدموا القيادة لثلاثة تيارات معارضة في المستقبل ، وهي : الإصلاحية العروبية ، والجناح اليساري الشعبوي ، والتيار الثوري . غير أنه برزت بين صفوف هذه الفئة عائلات تجارية ومالية استفادت اقتصاديا من الأوضاع القائمة ، تمثلت في الشرائح العليا من الطبقة التجارية اليهودية التي كانت مرتاحة تماما للسياسة البريطانية ( وإن بقي التجار اليهود دوما خارج إطار النشاط السياسي ) وفي عائلات من التجار المسلمين الذين كانوا أكثر انغماسا في السياسة ، ( المصدر نفسه ص ٣٤٧-٣٤٩) ففي الفترة ١٩٢١-١٩٥٨ ، كان هناك ٥٧٥ تعيينا وزاريا ، خص أعضاء العائلات التجارية ب ٩٥ منها ، وطال المسلمين ٨٤ من أصلها ، علما بأن ٥٩ تعيينا ذهب لأعضاء ٦ عائلات فقط .
يتبع
2019/09/21