الصعاليك الجدد!
ابو زيزوم الغري. 
الصدام بين طرف مهيمن على شؤون العالم وقوى صاعدة تريد ارساء نظام جديد تحصل فيه على ما يوازي حجمها شأن حتمي . وسيأخذ شكل معارك متعددة جوهرها اقتصادي . دعاة التغيير في عالم اليوم كثيرون يقودهم الثنائي روسيا والصين . ويتولى الرئيس ترامب إذكاء حدة الصراع من خلال سياسته الرامية ليس الى المحافظة على الوضع القائم وحسب وانما بمحاولته استعادة المركز الاقتصادي السابق لبلاده تحت شعار ( امريكا أولاً ) . وتلك غاية تقضي حتما بالتصادم مع أطراف كثيرة . فكلما نطق رئيس دولة بكلمة قال له ترامب : عليك ان تدفع . ومن يرفض الدفع يتخذ ترامب ضده إجراءات بواسطة آليات النظام الدولي القائم الذي لأمريكا فيه اليد الطولى .
النظام المصرفي الجماعي المعروف بـ ( سويفت ) واحد من أهم أذرع الولايات المتحدة في معاقبة الآخرين . فمع ان مقر هذه المؤسسة موجود في أوربا الا ان المتحكم بها هو الولايات المتحدة . لذلك عندما سعت أوربا قبل أشهر لإيجاد آليّة تجنب إيران نظام سويفت كي تبقى في الاتفاق النووي لم تنجح . فالآلية المقترحة المعروفة بـ ( انستكس ) مازالت تراوح مكانها .
سويفت اتفاقية لتسهيل عمل البنوك والتحويلات المالية أُبرمت في سبعينيات القرن الماضي . وأضيفت الى مهامها لاحقاً متابعة وإيقاف عمليات غسيل الاموال . ثم أصبح من واجباتها تجفيف منابع الارهاب . وأخيرا تحولت الى اداة لمعاقبة الدول المعادية للولايات المتحدة بحرمانها من استخدام الطريقة السهلة في تدفق الاموال . وقد أفرط الرئيس ترامب في استغلالها للضغط على الدول الاخرى والشركات . ففي كل يوم تقريبا نسمع بأن العقوبات طالت مصرفا في هذه الدولة او تلك . حتى أصبحت شركات لا حصر لها خارج هذه المنظومة . ومن الطبيعي ان تتواصل المؤسسات والدول المغضوب عليها للتعاون في ما بينها بأساليب مبتكرة او بالاحتيال لتمشية مصالحها .
المعاقبون الان اكثر مما يتخيل اي شخص . فحتى الشركات الامريكية والأوربية الممنوعة من التعامل مع ايران مثلا او كوريا او سوريا تعتبر معاقبة أيضا . لأنها بالنتيجة محرومة من فرص للربح . فظهرت مجموعة بنوك دولية بقيادة شركات صينية اغلبها مسجل في مناطق آمنة خارج الصين بتأسيس نظام خاص بها للتعامل دون الالتفات الى النظام الدولي المعمول به . وهكذا اصبح النظام المالي ثنائيا ، وفي السنوات القادمة ستتحول شركات كثيرة الى النظام الجديد دون ان تكون معاقبة من سويفت ، كما يختار المرء شركة اتصالات خليوية على اخرى لأنها تخدمه اكثر .
المعركة الان على أشدها ، وتشكل ايران فيها رأس النفيضة كما يقال في المصطلح العسكري . ورأس النفيضة هو القوة التي تتقدم الجيش الزاحف في ميدان الحرب . فهذه القوة تتكبد اكبر الخسائر حتى اذا انتهت المعركة بالانتصار . عندما دعا العراق ايّام الحصار الى تسعير النفط بغير الدولار لم يسمع صوته احد . فذلك الوقت كان ذروة الهيمنة الامريكية . وعندما تحاول أوربا ايجاد صيغة تخدم أيران للحفاظ على الاتفاق النووي فإنها تنجح لولا إفراط ترامب في اللجوء الى العقوبات . ومن المؤكد ان النظام المصرفي السائد لن يصمد طويلا في احتكار قنوات حركة الاموال . ولهذا السبب تحديدا تراجع ترامب قبل أسابيع عن تنفيذ آخر حزمة من الضرائب على البضائع الصينية بعدما كان قد اصدرها وحدد أجلاً للتنفيذ . ذلك ان الصين شهرت السلاح المالي وشرعت بالبيع الممنهج لسندات الخزينة الامريكية بعدما كانت اكبر المستثمرين فيه . وإلا لما تراجع ترامب . فعلى الصعيد التجاري المجرد يستطيع ترامب فرض كل ما يحلو له من الضرائب . إذ ان الميزان التجاري يميل لصالح الصين بأكثر من 300 مليار دولار سنويا . وفي هذه الحالة تكون الصين هي الخاسر الأكبر من تصاعد الحرب التجارية بين الدولتين .
وعلى هذا الأساس انصح المتابعين للأخبار الاقتصادية ان يرصدوها من هذا المنظار ليفهموا الى أين تتجه الأمور .
( ابو زيزوم _ 708 )
‎2019-‎09-‎22