كيف حولت المقاومة جيش العدو الى “جيش من الدمى”؟
إيهاب شوقي.
جيش الدمى هو مصطلح أطلق على جيش العدو الاسرائيلي عقب انتشار صور له تكشف استعانته بمجسمات بشرية في آلياته على الحدود مع لبنان. وقد قامت المقاومة بفضح العدو ونشر هذه الصور لكشف مدى الرعب الذي وصل اليه.
 وهنا وقبل أن نكشف عبر الشواهد والتقارير مدى الضعف المعنوي الذي وصل اليه العدو، وكذلك الضعف العملي للجبهة الداخلية، واللذين يحولان مصطلح جيش الدمى من حالة مجازية الى حالة واقعية، يجدر بنا استخلاص بعض الدلالات من هذه الفعلة الصهيونية:
1/ تعكس هذه الفعلة يقينا اسرائيليًا بأن المقاومة ستقوم بالرد، وأن الضغوط ورسائل الترهيب التي أوصلتها عبر قنوات مختلفة للمقاومة لن تثنيها عن الرد والإيفاء بعهدها والحفاظ على مصداقيتها والتمسك بمعادلات الردع الجديدة وعدم السماح بتراجع المعادلة وتغيير المسار.
2/ تعكس ايضا هذه الفعلة يقين العدو بأن الرد سيأتي موجعا ولن يكون ردا رمزيا، ولذلك استخدم دمى بشرية، حيث ان استخدام الدمى ليس جديدا بشكل عام في المجالات العسكرية، ولكن استخدمت الدمى للدبابات منذ الحرب العالمية الثانية كجزء من استخدام ما يسمى “الأسلحة الوهمية”. وقد أطلق البريطانيون على دبابات الدمى اسم سبوفس spoofs. واستخدمت أمريكا أيضاً هذا النوع من التضليل والخداع  قبل اندلاع الحرب. وخلال حرب الخليج الثانية استخدمت القوات العراقية دبابات دمى من المطاط يمكن نفخها. وبدأ الجيش الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في استخدام دبابات وطائرات وصواريخ وهمية، هي عبارة عن أسلحة قابلة للنفخ، وتقوم روسيا بتصنيع قصور قابلة للنفخ وأدوات تنجح في خداع العدو، بغرض حماية المعدات الحقيقية من خلال التضليل.
لكن استخدام الدمى البشرية هو أبلغ رد على الدعايات التي لا تستحق الرد بأن هناك (تمثيلية) وأن المقاومة ليست جادة في التصعيد وانها سترد ردًا رمزيًا، فيما كان العدو يتحسب لرد موجع، وقد تحقق بالفعل عبر استهداف ناقلة الجنود وليس ناقلة الدمى والتي فضحتها المقاومة بنفسها لقطع الطريق على الردود الرمزية!
3/ عكست الفعلة رعبًا حقيقيًا وبرهنت على جبن الصهاينة وضعف قدرتهم على حماية جنودهم، كما عكست هشاشة الجبهة الداخلية والتي تهتز بشكل خطير لوقوع الخسائر البشرية، ولا سيما في ظل مناخ يسوده التصعيد والتنافس بين الجنرالات الصهاينة ومناخ التربص السياسي والذي ينعكس أيضًا على الميدان، والذي أكده الكذب الفاضح لنتنياهو بأنه “لا خدش أصاب جنوده” وسط تناقل وسائل اعلامه لصور المسعفين ونقلهم لقتلى وجرحى العملية ووسط نشر المقاومة مشاهد للعملية النوعية الاحترافية وتفجير الناقلة صوتا وصورة.
وهنا ايضًا لنا وقفة لمناقشة تآكل قوة الردع والتفوق الاسرائيلي، وذلك كما يلي:
أولًا: جيش الحرب الإسرائيلي والذي تأسس في 31 مايو 1948، بعد أسبوعين فقط من إعلان الدولة المزعومة للصهاينة، تمت صياغة عقيدته العسكرية على أساس الاعتقاد بأن “إسرائيل” لا تستطيع تحمل خسارة حرب واحدة. ويعتقد مخططو جيش العدو الإسرائيلي، وفقا للتقارير الصهيونية، أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال استراتيجية دفاعية تستخدم التعبئة السريعة للقوة الساحقة لنقل الحرب إلى العدو، ولأن الجيش لديه عدد صغير في الخدمة الفعلية، فلا يمكن تحقيق هذه المهمة إلا من خلال الحفاظ على احتياطي مدرَّب جيدًا. وتقول أحدث التقديرات ان الجيش مكون من 718 ألف جندي بينهم 550 ألفًا في قوات الاحتياط.
ولا شك أن هذه القوة من الاحتياط والتي تعيش كمدنيين، قد أدمنت الهرب الى الملاجئ، واكتشفت بنفسها عجز دفاعات الجيش عن حماية الجبهة الداخلية، وهو عامل سلبي كبير يتعاظم عندما يضاف له مشاهد هرب الجنود وعدم حمايتهم على الجبهات واستخدام الدمى لتفادي هذا العجز.
ثانيًا: استُكملت الأصول البشرية لجيش العدو بنظم الإنذار المبكر القوية.
وهنا ايضًا تفشل هذه النظم في حماية العدو. وقد كشف تقرير لـ”جيروساليم بوست” أن الجانب السلبي من زيادة الدقة في أنظمة الانذار هو انخفاض أوقات التنبيه، وعلى سبيل المثال، في ظل النظام الحالي، يُمنح أحد سكان “تل أبيب” حوالي دقيقة ونصف للوصول للملجأ منذ لحظة صدور صفارات الإنذار، ومع النظام الجديد، سيكون أمام سكان “تل أبيب” 45 ثانية إلى دقيقة واحدة فقط للوصول إلى منطقة آمنة، ولنا ان نتخيل مأساة هذا التدافع!
كما كشفت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي يتوقع أن يغادر ما يقدر بنحو 150،000 مدني منازلهم في الشمال في حالة نشوب حرب مع حزب الله. وإلى جانب التهديد الصاروخي المتزايد، حددت قيادة الجبهة الداخلية أيضًا تهديدًا للأنظمة الإلكترونية الإسرائيلية. ونتيجة لذلك، أمرت القيادة المدنية في الآونة الأخيرة بشراء أجهزة الراديو الترانزستور بالبطاريات الاحتياطية وزجاجات المياه وأجهزة الشحن الكهربائية المحمولة.
ثالثًا: يمتلك العدو قوة ميكانيكية تضم حوالي 2620 دبابة قتال وأكثر من 10 آلاف مدرعة، إضافة إلى 650 مدفعًا ذاتي الحركة و300 مدفع ميداني، ويوجد في الجيش الإسرائيلي نحو 48 منصة إطلاق صواريخ متعددة.
وغني عن الذكر هنا أن المقاومة تمتلك من الصواريخ والاحترافية ما أثبت انه مذابح للدبابات والمدرعات.
رابعًا: بقي التفوق الجوي، حيث تضم القوات الجوية الإسرائيلية 652 طائرة حربية بينها 243 طائرة هجومية، إضافة إلى 143 مروحية بينها 48 مروحية هجومية. وقد اثبتت المعارك ان الطيران لا يحسم حربًا، وأن الردع الصاروخي يمكن ان يوقف الهجوم الجوي الذي يوقع الضحايا ويدمر المنشآت دون انجاز عسكري على الارض.
خامسا: يمتلك الأسطول الإسرائيلي 65 قطعة بحرية بينها 6 غواصات، و3 كورفيت، و32 سفينة دورية، وهي كالطيران لا تحسم غزوا. وقد شكل استهداف المقاومة للبارجة الصهيونية علامة فارقة يمكن للعدو تأملها ولا سيما عند وضعه في الاعتبار تطور المقاومة وأسلحتها.
وبخصوص الجبهة الداخلية الصهيونية، يكفينا الاستشهاد ببعض التقارير الصهيونية والتي نورد امثلة منها نصا دون تدخل منا:
*  بينما يقول الجيش إنه مستعد لأي احتمال، فإن أكثر من 800000 مدني في شمال (إسرائيل) ليس لديهم مأوى للقنابل أو مكان آمن.
* رسم تقرير حديث نشرته جمعية (بناة إسرائيل) بناءً على بيانات مقدمة من المكتب المركزي للإحصاء صورة قاتمة لعدم وجود تحصينات في مواجهة هجوم صاروخي يشنه حزب الله.
* خطط ليبرمان لبناء مبانٍ في المجتمعات الشمالية يصل طولها إلى 45 كم. من الحدود اللبنانية المحصنة، ولكن بعد عام تم إلغاء الخطة، تاركة المدنيين في الشمال في حالة يرثى لها. ليس لديهم مكان يركضون إليه عندما يطلق السيد نصر الله هجومه الصاروخي، وانتقد ليبرمان إلغاء خطته، قائلاً إن البلاد “تتخلى عن المدنيين”.
ونقلت عنه شبكة Ynet قوله “أنا آسف للقول إن خطتي الأمنية للمجتمعات الشمالية قد ألغيت”. “حزب الله مكرس للحصول على تكنولوجيا الصواريخ الموجهة بدقة، ولن يستسلم. هذا هو السبب في أن إلغاء خطتي يشبه التخلي عن المدنيين. حقيقة أن الخطة قد توقفت هي الجنون “.
* نقلت Ynet أيضًا عن جيورا زيلتز، رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى، تحذيره من وقوع كارثة إذا اختار نصر الله إطلاق ترسانته الصاروخية الضخمة باتجاه المناطق المأهولة بالسكان.
ان هذا الاهتراء في الجبهة الداخلية، وهذا الاهتراء في معنويات الجنود يقول ان مصطلح الدمى ليس مجازيا وانما هو مصطلح واقعي، ويؤكد ما ذهبت اليه المقاومة من أن “اسرائيل” أوهن من بيت العنكبوت. والمقاومة هنا لم يصبها الغرور ولن تتراخى لعلمها ان المعركة الوجودية قادمة، وبانتظار استيفاء شروطها، وهي لن تتوانى عن اتمام الجهوزية والتعبئة المستمرة.
‎2019-‎09-‎13