المسيّرات الإسرائيلية one way ticket !

روزانا رمّال  
مرتكزات عدة في نقاش مبدأ إسقاط المسيَّرات الإسرائيلية في لبنان تأخذ مكانها بعيداً عن كلام الأمين العام لحزب الله ووعوده بالبدء بمرحلة جديدة والشروع بإسقاط كل ما هو مسيَّر كلما كانت الفرصة سانحة لحزب الله.

فالإسرائيليون لم يكن لديهم أدنى شك من منطلق التجربة مع «عدو» كحزب الله بأن كلام نصرالله شكلي او مجرد تهديد أو رفع لمعنويات شعبه، بل على العكس منذ اللحظة الاولى ادركت القيادات العسكرية الإسرائيلية أن الأمر آيل للتنفيذ.

ولهذا السبب شهدت الأجواء اللبنانية تكثيفاً لطلعات مسيّرات في الـ 48 ساعة التي أعقبت تهديد نصرالله كنوع من التحدي اضطر نصرالله أن يوضح بعدها ان حزب الله لم يعد بمهاجمة كل المسيّرات إنما هذا مقرون بظروف المهمة فبقي الأكيد أن القرار «بالملاحقة» اتخذ.

لكن الأهم بالنسبة للقيادات الأمنية الإسرائيلية هو نقل المعركة نحو الأجواء وهو نقطة التفوق «الوحيدة» التي تزخّم الحضور الإسرائيلي وترفع من مهابة آلته العسكرية.

فـ»إسرائيل» وبكل وضوح هي «سيدة الأجواء» في المنطقة. فلا سلاح يضاهيها ولا مهمات توازي طلعاتها الجوية.

واذا كان الاشتباك قد انتقل الى الجو فإن المأزق الإسرائيلي صار «كارثياً» كمن يتجرّد من نقطة قوته تدريجياً.

فالمنطق العسكري يفرض على الخبراء في تل أبيب عدم التوقف عند فكرة إسقاط طائرة مسيّرة من هنا او هناك، بل يفرض البحث في ما يملكه حزب الله لمواجهة قطع الجو الإسرائيلية الحربية.

فمن يمتلك القدرة على إسقاط طائرات استطلاع هو بدون شك متجه نحو إسقاط طائرات مقاتلة في المرحلة المقبلة.

كما أن حزب الله وعملاً بتحالفاته الإقليمية والدولية وبمنطق الأمور الذي اخذت نحو تشارك في الميدان السوري والعراقي واليمني فإن مسألة امتلاكه سلاحاً كاسراً لطائرات الجو هو بديهي اليوم.

لكن المعادلة السابقة لم تكن فيها اولوية حزب الله الكشف عن قدراته الجوية، ولهذا السبب لطالما أرادت «إسرائيل» إيقاع الحزب بفِخاخ للكشف عما يملك لتبني على الشيء مقتضاه، لكنه لم يقع فيها ولم يكن أيضاً أمين عام حزب الله في أي وقت من الاوقات مفرطاً بمعلومات مجانية لـ»إسرائيل»، خصوصاً من هذا النوع في معرض حديثه.

وبطبيعة الحال لا بد من النظر الى حليف حزب الله الأساسي اي إيران وقدراتها الدفاعية الجوية وقدراتها العسكرية التي استطاع الحرس الثوري عبرها إسقاط واحدة من أقوى الطائرات المسيرة في العالم منذ أشهر قليلة في محافظة هرمزكان في جنوب إيران.

والطائرة من طراز غلوبال هوك تصنعها الشركة الأميركية نورثروب غرونمان وقد أُسقطت في منطقة «كوه مبارك» بعد أن اخترقت أجواء الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقد أعلنت القيادة المركزية للقوات الأميركية حينها أن طائرة استطلاع تابعة للبحرية الأميركية أُسقطت بصاروخ إيراني أرض – جو فوق مضيق هرمز. هذه الطائرة التي تبلغ قيمتها أكثر من مئتي مليون دولار وعددها المحدود جداً لدى الأميركيين قلبت الموازين في مسألة شن حرب أميركية على إيران لأن الكشف عن هذه المقدرات الإيرانية «المتطورة» جعل من واشنطن تتريث في اتخاذ أي قرار من هذا النوع.

بالعودة للتفوّق الجوي فإن الأمر نفسه والقلق نفسه سيراود «إسرائيل» في الأيام المقبلة، لأنه لا يوجد أي ضمانة بان إيران لم تسلم حزب الله صواريخ قادرة على إسقاط طائرات إسرائيلية مقاتلة في اي حرب مقبلة.

فكيف بالحال وأن «إسرائيل» تعرف ان للحزب مقدرات استطلاعية متطوّرة وهو الذي أرسل طائرة استطلاع فوق الأراضي المحتلة منذ ثلاث سنوات تقريباً عُرفت باسم «يعقوب» وقد دخلت الأراضي المحتلة وعادت إلى الأجواء اللبنانية سالمة بدون أن تلحظها المضادات الإسرائيلية حتى وعليه فإن حرب الأجواء انتقلت للمرة الأولى لتصبح هي العنصر المريب بالنسبة لـ»إسرائيل»، وكيفية التعاطي معها يجعلها مكبلة أكثر من أي وقت مضى.

إسقاط مسيّرة فوق منطقة رامية الجنوبية اللبنانية هو رسالة مباشرة بأن على الإسرائيليين توقع من اليوم أن حزب الله باشر بأعماله بمراقبة ما يتحرّك بالأجواء اللبنانية، وإذا كان على «إسرائيل» تدارك الأمر، فإنها ستضع أمامها سلفاً فكرة الخسائر المحققة من أي طائرة مسيّرة أو طائرة استطلاع متطوّرة تحلّق فوق لبنان، لأن نسبة عودتها آمنة ستكون خمسين بالمئة بعد اليوم، لهذا فإن تل أبيب ستضع بحسبانها حكماً وبشكل منطقي الخيار «الأسوأ»، وهو إن اي دخول لمسيرات إسرائيلية للأجواء اللبنانية قد قطع لها حزب الله ما يشبه one way ticket فهي لن تعود الى مراكزها سالمة.

وبالتالي الخسائر الإسرائيلية «المحققة» صارت بحكم المتوقعة بالنسبة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية ليبقى «المربك جداً بالنسبة لتل ابيب» هو العمل الاستخباري الذي صار مقيّداً بشكل كبير من الجو فوق لبنان، لا بل ربما يعرض «إسرائيل» للانكشاف، لان احتمال أن يسقط حزب الله مسيرات بدون ان تتمكن «إسرائيل» من تفجيرها هو أيضاً احد الاحتمالات الورادة وبحال وصلت الى ايدي الحزب حيث سيتمّ تحليلها وكشف مواطن اهتمام الإسرائيليين بالعموم.

إقدام حزب الله على اسقاط مسيرة هو بداية اعلان أكيدة عن مرحلة جديدة من التوازن الذي كان يحكم عدوين يعرفان بعضهما جيداً، ولعل الرسائل بينهما اليوم التي تبدأ عند الحدود اللبنانية ولا تنتهي عند الحدود السورية فالعراقية وربما اليمنية، خصوصاً ضمن تبادل السلاح والأهداف بين المحور الواحد أكبر من أن يحللها مراقبون عن بُعد، لكن وبالمحصلة أدخل حزب الله الأجواء اللبنانية ضمن معادلته الجديدة وأدخل معها جرعة جديدة من الردع لحماية البلاد.

2019-09-11