في حضرة التأريخ!

سلام موسى جعفر 
الجزء الثالث  
أغار عليك من عيني ومني …………..ومنك ومن زمانك والمكان  
ولو أني خبأتك في عيوني ……………الى يوم القيامة ما كفاني  
يا من غدوت به في الناس مشتهرا…….قلبي يقاسي عليكم الهم والفكرا  
ان غبت لم الق انسانا يؤانسني ……….وان حضرت فكل الناس قد حضرا  
البيتان في الأعلى للأميرة الشاعرة ولادة بنت المستكفي وتحتهما لابن زيدون. نقشت هذه الابيات على نصب الحب في قرطبة. في اعلى النصب كفان متلامسان يمثلان الشاعر والشاعرة اللذان عاشا كما تعرفون قصة حب مشهورة.
على جانبي الطريق من غرناطة الى قرطبة تصادف الراكب بقايا قلاع حربية كانت مشيدة فوق التلال العالية الى جانب أشجار الزيتون المزروعة في حقول شاسعة والتي حملها معهم الفينيقيون الى هنا.

ولا يرى المسافر على الطريق أثرا لأشجار النخيل التي جاء بها العرب من شمال أفريقيا أثناء حكمهم الذي دام سبعة قرون. النخيل المثمر ونخيل الزينة يظللان شوارع المدن في الاندلس ويزينان حدائقها العامة وقصورها.
ما أن يدخل المسافر مدينة قرطبة حتى يجد نفسه في ضيافة التأريخ. المدينة استوطنها الفينيقيون وبناها الرومان ولازالت آثارهم تذكر السكان والزوار بهم. فها هو “الجسر الروماني” يقف شامخاً لأكثر من ألفي عام رغم ما مر على قرطبة من حروب ومآسي ولازال مستخدما فيقطعه المشاة من جانبي النهر. ولهم في قصر قرطبة (Alcazar) بصمات واضحة. فهم أول من شيده ولما انتقلت السيطرة على المدينة الى الامويين أضافوا اليه الكثير وتحول في فترة لاحقة قصراً للخلافة وغدا تحفة فنية جميلة تزاوج فيها المعمار الروماني بالمعمار العربي. بعد انتقال السيطرة على قرطبة الى القشتاليين في العام 1236 جرى اقتطاع أجزاء من القصر ومنحها هدايا الى الامراء وقادة الجيوش.

اعيد بناء الأقسام التي تهدمت منه مستخدمين نفس الطراز المعماري العربي وبأيدي المهندسين والبنائين العرب الذين بقوا في المدينة قبل حملات التصفية. صار يطلق عليه “قصر الملوك المسيحيين” وتحول في العام 1482 الى “قصر النهاية” حيث بدأ استخدامه كمكان لتعذيب السكان العرب في ظل محاكم التفتيش التي بدأت تلقي بضلالها على الحياة الاجتماعية والسياسية في اسبانيا.

توجد في بعض الكنائس والمتاحف لوحات كبيرة بريشة رسامي الكنيسة الذين عاشوا سنوات محاكم التفتيش وهي تصور أبشع وسائل التعذيب التي لم تستطع داعش بعد ستمائة عام على اللحاق بها.
من أعظم العصور التي مرت على قرطبة كانت عصر الدولة الاموية ثم عصر الخلافة حيث صارت قرطبة خلالها من أجمل وأكبر وأعظم مدن أوربا على الاطلاق. يقصدها طلاب العلم من جميع أنحاء اوربا لينهلوا من علم علماءها. بلغ مجموع سكانها في فترة ازدهارها حوالي المليون، بينما كانت أكبر مدينة في أوربا في ذلك الوقت لا يتجاوز سكانها الربع مليون نسمة. وصل عدد مستشفياتها الى الخمسين وفي إحداها أجريت اول عملية قسطرة في التاريخ. اما القصور فقيل ان عددها ثمانون الفا.

عرفت قرطبة ببلوغ مرحلة متقدمة من التطور في مجال التعليم فكان فيها سبعة وعشرون مدرسة ومعهد بالإضافة الى الكتاتيب المنتشرة في الحارات وحلقات التعليم بأجر والتعليم داخل بيوت الذوات والتعليم في حلقات في مساجد قرطبة التي بلغ تعدادها ستمائة مسجد. واشتهرت المدينة بعلمائها وشعراءها وكثرة مكتباتها حتى لقبت عن حق بعاصمة الادب والعلم والثقافة في اوربا.

انجبت قرطبة الشاعر ابن زيدون، والاميرة الشاعرة ولادة بنت المستكفي. ولابن زيدون وولادة نصب جميل في المدينة وقد نقشت عليه أبيات غزل لكليهما وهي الابيات التي وضعتها في مقدمة هذا الجزء. وابن حزم الاندلسي وله نصب فيها كذلك. وعباس ابن فرناس حيث افتتح جسر حديث في المدينة يحمل اسمه.

كما انتقل اليها من بغداد الموسيقى زرياب الذي أسس فيها معهد موسيقى باسم دار المدنيات في العام 825م وقد كرمته بلدية المدينة بإقامة نصب تذكاري يحمل اسمه وفي وقت لاحق ظهر فيها الفيلسوف ابن رشد.

وقرطبة هي المدينة الوحيدة في اوربا التي كانت تنار ليلا اعتبارا من القرن التاسع الميلادي.
النصب العديدة المقامة في كل انحاء المدينة للعلماء والفلاسفة العرب وزعماء الدولة العربية الاندلسية تعكس مدى التأثير الذي تركه هؤلاء على الحياة الاجتماعية والثقافية الاسبانية وتعبر عن عرفان الاسبان بالجميل لهم وعدم نكران ما قدمه هؤلاء لخدمة العلم والتطور.
من الآثار العربية المهمة في قرطبة “مدينة الزهراء” التي بناها الخليفة الناصر لدين الله. وهي عبارة عن مجمع يحوي قصور لسكن الخليفة وحاشيته واستخدمت مقراً لإدارة الدولة. واٌنشأ فيها أكبر مكتبة في كل أنحاء أوربا حيث احتوت على 400000 كتاب ومخطوطة ورصت شوارعها بالحجر المصقول.

وظلت الزهراء مقراً للحكم لمدة أربعين عاما ثم تحولت الى سجن للخلفاء والامراء من قبل الوزراء والقواد المتآمرين. الزهراء تعرضت للتخريب والإهمال ولم يكتشف منها سوى 10%.
العدد الأكبر من الكنائس في قرطبة كانت في الأصل مساجد ومنها “مسجد الكاتدرائية “
المسجد Mezquita
حين دخلت المسجد، وفي الدقائق الأولى أٌصبت بصدمة. ولما عدت الى وعي كان الذهول لا يريد ان يفارقني. وكنت أتسائل: هل يعقل ان أجدادنا استطاعوا بناء هذه التحفة؟! وحتما لو وقف أحد منكم مكاني في حضرة الأجداد لبكى وفرح وافتخر. ومهما أمتلك الانسان من قدرات لغوية فلن يكن بمقدوره العثور على كلمات قادرة على وصف هذا الصرح الخالد وتعطي حقه من الجمال والعظمة وعبقرية البناء.
امر عبد الرحمن الداخل ببناء المسجد في العام 785م وأراد الأمير بناءه على طراز الجامع الاموي في دمشق. ولكنه في النتيجة فاقه جمالا وروعة وسعة. صحن المسجد عبارة عن قطعة فنية صيغت بعناية فائقة.

أما الحديقة فقد زرعت بأشجار النارنج وأشجار الليمون. استمر البناء والتوسيع لمدة قرنين ونصف القرن.

والعجيب في الامر ورغم اختلاف أجيال البنائين على مدى 250 عاماً ان كل الإضافات والتعديلات وأعمال الزينة، كانت تسير في اتجاه واحد وعلى وتيرة واحدة، بحيث يتسق مع شكله الأساسي مما أعطاه مكانة فريدة في تاريخ الفن المعماري. للمقارنة بقصر الحمراء الذي أستغرق بناءه 150 عاما فأن الزائر يلاحظ اختلاف الطابع العمراني لأروقة قصر الحمراء. بينما يستحيل على زوار المسجد العثور على مثل هذه الاختلافات وكأن بناة المسجد الذي بدأوا البناء هم من أتموا المهمة بأنفسهم.
لم يجرؤ أحد على هدم المسجد ولم تمس بعض التحويرات التي اجريت داخله بعد ان تحول الى كنيسة طابعه الاساسي! فقد ظل مسجدا بطراز معماره العربي وبالاسم الذي يطلقه الاسبان عليه Mezquita
يتبع…
‎2019-‎09-‎08