في حضرة التأريخ!

الجزء الثاني

 

سلام موسى جعفر.

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا 
ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد 
عينان سوداوان في حجريهم 
تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد 
هل أنت إسبانية؟ ساءلـتها 
قالت: وفي غـرناطة ميلادي 
غرناطة؟ وصحت قرون سبعة 
في تينـك العينين.. بعد رقاد 
وأمـية راياتـها مرفوعـة 
وجيـادها موصـولة بجيـاد 
ما أغرب التاريخ كيف أعادني 
لحفيـدة سـمراء من أحفادي…. نزار قباني 
غرناطة كانت عاصمة الحكم في عصر ملوك الطوائف وعاصمة مملكة غرناطة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. تقع على سفح جبل يسمى جبل الثلج وعلى هضبة مطلة على المدينة بدأ تشييد قصر الحمراء منذ سنة 1238 واستغرق بناءه 150 عاما وهذا هو السبب وراء اختلاف الطابع المعماري لأروقته. وتحول القصر الى أشبه بمدينة مستقلة عن غرناطة وبنى بالقرب من النهر لتوريد المياه إلى النوافير المتلألئة والحمامات الرخامية والمساحات المائية التي تشق طريقها في جنبات القصر فتوفر نظام ري عبقري متكامل لسكّانه.

وصلت سمعة القصر الى كل انحاء أوربا وأثار الغيرة في نفوس بعض الملوك لدرجة ان أحد ملوك قشتالة في قرطبة رغب بتقليد زخارف جدران قصر الحمراء في جناحه الجديد في القصر الملكي الذي كان أصلا قصر الخلافة العربية في الاندلس قبل سقوطه بسقوط المدينة سنة 1236 على أيدي مملكة قشتالة. ولهذا السبب طلب من ملك غرناطة الجالس في قصر الحمراء المساعدة وكان له ما أراد.

ونعود الان الى قصرنا الساحر لاستكمال ما بدأناه. قلت ان بناء القصر استغرق قرنا ونصف القرن فتتابع ملوك عديدون على توسيع الحصون وتقويتها وتوسيع الحدائق الملحقة بالقصر (جنة العريف) واستكمال البناء داخله بإضافة أجنحة جديدة وباحات جميلة بني بعضها (بهو السباع وقاعة السفراء) على سبيل المثال لغرض الابهار وترك الانطباع القوي في نفوس الخصوم وممثليهم من السفراء المعتمدين والزوار
بهو السباع الساحر هو فناء مكشوف مستطيل الشكل بطول 35 مترا وعرض 20 مترا، تحيط بجهاته الأربعة من الجوانب أروقة تحملها 124 عمودا من الرخام الأبيض في نهايته العلوية أقواس وتيجان مزينة بكتابات محفورة بشكل رائع، وعليها أربع قباب مضلعة، تقع كل واحدة منها وسط ضلع من أضلاع المستطيل. الأربعة وفى وسط الفناء شيدت نافورة الماء، وهي عبارة عن حوض من المرمر، مستدير ويحمل 12 أسداً، وقفت بشكل دائري حول الحوض ليخرج من أفواهها الماء ليجري في قنوات. يقال ان الاسبان عند دخولهم القصر أرادوا معرفة الطريقة التي استخدمها المهندس العربي في تنظيم خروج الماء من افواه الأسود وفق توقيت منتظم، وانهم اثناء محاولتهم معرفة السر خربوا بغير قصد النظام ولم يتم التوصل لمعرفة السر ولم يعد الماء يخرج من افواه الأسود منتظماً كما كان.
الزخارف المنقوشة على جدران القصر تشبه الى حد كبير زخارف السجاد فهي على شكل تنظيمات هندسية غاية في الروعة وآيات قرآنية وأدعية وأبيات شعرية.

لقد جسد فن المعمار وزخارف الجدران مستوى ما وصل اليه الفن والهندسة العربيين من ابداع منقطع النظير لدرجة ان الشاعر الاسباني لوركا تعود التردد على القصر كثيرا ليستمتع بإبداع العرب.
وإذا كان قصر الحمراء قد شغل الناس في عصره فأنه حالياً يشغل ملايين السواح وتحول الى واحد من أهم المعالم السياحية في اسبانيا على الاطلاق ولربما أوربا أيضا، لدرجة أن الزائر يحتاج الى حجز مسبق لزيارة القصر لا يقل عن الشهر او يضطر الى دفع مبالغ مضاعفة للحصول على تذكرة دخول في السوق السوداء، قد تكون مزورة.
بسقوط قصر الحمراء سقط الحكم العربي في الاندلس سنة 1492 بعد معارك متقطعة استمرت لعشر سنوات وحصار دام ثمانية أشهر. لم تحصل مملكة غرناطة على دعم من ملك المغرب الذي كان يواصل التجارة مع مملكة قشتالة في فترة الحصار ولا من مماليك مصر ولا من الدولة العثمانية التي كانت في مجد قوتها. لم يفي الملوك الكاثوليك بالاتفاق الموقع مع ملك غرناطة بتسليم المدينة مقابل ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين واليهود فبعد سبع سنوات بدأت حملة تنصير لغير الكاثوليك تحت شعار” الاه واحد، ملك واحد ودين واحد” وعلى غير المسيحيين الاختيار بين التعذيب الوحشي حتى الموت او التحول للدين المسيحي.
ينتشر رأي بين السواح ووسط شركات السياحة من أن زيارة السائح لقصر الحمراء تعتبر ذروة السفرة كلها. لربما يصح هذا الرأي من زاوية النظر الى المستوى الفني وتنوع الطراز المعماري في بناء واحد. اما أذا أراد الانسان معرفة حال الناس في ذلك العصر فما عليه إلا زيارة الاحياء القديمة للمدينة العتيقة المبنية على سفح الجبل وهذا ما فعلته. بيوت متلاصقة تقع على شوارع ضيقة جداً مرصوفة بالحجر في وسط كل شارع قناة. تلتقي القنوات في قناة أوسع وتجري في وسطها مياه المجاري من الأعلى الى الأسفل دون ان يحس المارين بروائح كريه لربما بسبب الجري السريع للمياه او بسبب نظام تغسيل لم أستطيع وضع اليد على طريقة عمله. الشوارع الضيقة تلتقي فيما بينها بفسحات أشبه بالساحات الصغيرة بنيت فيها احواض للتغسيل وتعلوها حنفيات للشرب.

الأبواب واقفالها، البيوت والشوارع المرصوفة والمجاري وحنفيات الشرب يعود بنائها الى القرن الثالث عشر وبعضها أقدم بكثير. بوابات المدينة القديمة تحولت الى اقواس تمر من تحتها الشوارع الجديدة بعد التوسع. أما ” القيصرية” وهي السوق الاندلسي القديم فلازالت قائمة وتعج بالباعة والمشترين.
يتبع
‎2019-‎09-‎07