قراءة في رواية البندق! 
في الطائرة الى فلسطين، رواية “البندوق” لمجيد منيب الياس (1987) تظهر لك قرية من فلسطين الداخل ما بعد النكبة، انقلاب الهرم الاجتماعي بفعل تعامل البعض مع المستعمر الجديد، الشرط الاجتماعي الثقيل على طفل مسيحي يحاول فعل الخير وفق ما تعلم فتنقلب افعاله ضده.
كلما حاول قلب مشاية مرمية بقرب السنسلة على نعلها كي يلاطف وجهها السماء تعود الى هيئتها الأولى، متحدية قوانين الحرام والحلال، جالبة معها اللعنة على القرية بأكملها.
طفل، قاده الجوع لشرب “دم المسيح” (النبيذ) وأكل “لحمه” (القربان) ليلة الاحتفال بعيد القديس روسينوس. شيطان القرية صار هذا الطفل وكبر على ذلك بفعل مجموعة من عوامل سوء الفهم والطالع.
مع وصول الخواجا، تحولت القرية الى مسخ تماما كما لحقتها قرى احتلها المستعمر في جولات اخرى، قبل ان تضرب الرأسمالية بكرباجها الخفي منظومتنا الأخلاقية والوطنية والدينية. قرى تسابقت على لقب المدينة، فلا ظلت كما كانت ولا صارت مدنا.
في عصر التحولات الكبرى، تنتشر صورة المسخ، صورة لا تشبه أي شيء فينا، صورة علينا وبكل ما تبقى لنا من قيم أن نرفضها ونعمل على تغيير واقعها الذي لا يشبهنا في شيء. رواية حصلت عليها من صديق اراد ترجمتها للفرنسية يوما ما، وزيارة فرضتها الظروف، تكاملت لسدل الستار عن حالة الانهيار والخراب التي نعيش.
في طائرة “العودة”، رئيسة بلدية سابقة تسافر ضمن عملها الجديد مع الامم المتحدة “لتمكين دور المرأة” في دول “الجنوب”، وأنا هنا، بلا لغة، احاول أن اشرح لشاب سعودي أن باريس أكبر بكثير من شارع الشمزيليزيه وبان هاتفه الذكي لن يسعفه في الوصول الى حقيبة سفره في المطار.
في السفر، تكسب ساعة بفعل الجغرافيا واحيانا تخسرها، ولكنك وبفعل المسافة (بالمعنى الاجتماعي للمفهوم، أي برفضك ما استدخله الاخرون) ربما تخسر معها الزمن كله. “البندوق” رواية، “البندوق” مسار ومصير كل من يحاول قلب المشاية على وجهها على أمل تجنب لعنة السماء.
‎2019-‎08-‎24