من تامر نفار إلى تامر السلطان.. مجتمع يرمي بأبنائه الى الهاوية!
نادية حرحش تكتب لـوطن:  
هل المجتمع هو المسؤول عما يحصل من انهيارات متلاحقة للإنسان الفلسطيني؟ أم التركيبة السيادية المركبة من قيادات تعمل فقط على حماية نفسها وتأمين ثباتها على كراسيها حتى آخر مواطن؟

لا يمكن وضع ما يجري من انهيارات متلاحقة على مختلف الاًصعدة وعلى كافة المستويات بالمجتمع الفلسطيني تحت أي تعريف منطقي. أكاد أذهب في تحليلي إلى اتهام الرئيس الأمريكي ترامب بكل ما يجري! وقد يكون اتهامه هو أكثر الأمور منطقية، إذا ما تنبهنا الى ما يجري خارج فلسطين كذلك. كأن فايروسا من الكراهية والعنف ضرب العالم المحيط بنا، وكأن الحروب التي تأكل المنطقة لا تكفي. كراهية وعنف تعنيان أسلحة. وترامب يحارب من اجل تشريعات أكبر لتوسيع تجارة الأسلحة.

اعرف ان ما يبدو من تحليل، قد يكون بعيدا عن أي منطق. ولكن، كم أصبح العالم متقاربا عندما نتكلم عن العنف والكراهية؟ الجرائم التي نشهدها تباعا في أمريكا، واوروبا ابطالها يحملون السلاح ويفرطون في استخدامه امام نظريات يركبها التفكير العنصري ليجعل المرء اعمى لا يرى الا نفسه امام كراهية قاتلة. وفي مجتمعنا، وبعد هبة الأقصى والتصدي للبوابات (٢٠١٧)، بدأ انتشار كثيف للأسلحة بين الفلسطينيين. بدأ في شمال أراضي48 وانتشر بسرعة البرق في كل مكان، في وقت كانت التدابير الأمنية الإسرائيلية فيما يتعلق بالسلاح هي دائما الأهم وفي أعلى المستويات. عدد قطع السلاح التي يستخدمها الفلسطينيون معروفة ومحددة. فكيف سمح بأن تنتشر هكذا؟ تجارة الأسلحة بالسوق السوداء صارت اهم من تجارة المخدرات. وفي خلال سنتين، لم يكن من الصعب فهم سبب السماح بهذا الكم من التسليح الأسود.

رأينا إطلاق نار في الافراح، وإطلاق نار في الشوارع وكأننا نعيش في حرب شوارع. وامتد امر التسليح ليكون في كل مكان، من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب. من لا يعجبه اخر، يطلق النار عليه. وعليه زادت العشائرية واعادت تشكيل نفسها، ليغيب القانون عن المشهد تلقائيا، ويعيش المواطن مع حمله لتتشكل منظومة جديدة شعارها البقاء للأقوى.

تزداد حملات الكراهية لتطال كل فئات المجتمع، جرائم قتل النساء، القتل على خلفية السرقة، القتل على خلفية النزاع من اجل موقف سيارة حتى موقف سياسي.

الاقتتال على كل شيء، الا الاحتلال، فالاحتلال بقي شعار نحمله كل ما نقوم به من خطايا بحق بعضنا البعض.

وكأن سياسة فرق تسد صارت تلقائية بتصرفاتنا. انهزام أخير لنا … وانتصار اكيد لهم!

في حمى السباق على الانتخابات الإسرائيلية، صرح المرشح العربي البارز بأنه مستعد ان يدخل في تحالف مع اليسار الصهيوني ( الذي هو بالأصل يمين، ولكنه صار يسارا بسبب مقارنته باليمين المتطرف)، وسواء كان الامر مقبولا للبعض او لم يكن، فبمجرد جرأة التفكير والاعلان والطرح، يؤكد ان المشروع الوطني الفلسطيني ليس الا شعارا يتم استخدامه من اجل استغلال مشاعر الناس المليئة بالحنين الى قومية فلسطينية جامعة ، تزامنا مع منع الفنان الفلسطيني تامر نفار من عرض حفل له في مدينة ام الفحم، لأن ما يقدمه تامر نفار على حسب ادعاء من قرروا الغاء الحفل، يخالف قيمنا واخلاقنا وديننا!

تامر نفار، الذي استطاع ان يقدم فنا يعكس فيه حال الشباب الفلسطيني ويوحد نفسه مع جيل كامل امام حملات صهيونة شاملة تطال الانسان الفلسطيني، وبعد مئات الحفلات التي قدمها في كل بقاع فلسطين، صار ما يقدمه من فن يشكل تهديدا على “دينهم” و”تراثهم” و”اخلاقهم”، وكأن الدين والتراث والأخلاق صكوك غفران يختمها هؤلاء ويزعمون انهم ولاة الله والوطن. كيف صار هؤلاء رجال دين وسياسة وامن في هيئة رجل واحد!

في غزة، شبان يهربون من شد الخناق الذي بلغ بعد الجوع والعدم الى منع النفس إذا ما اعترضت عن نظام الحكم القائم فيها. فصارت البحار ملجأ متناميا لهروب الكثيرين. تامر السلطان كان اخر الضحايا، الذي هرب من اجل حرية يتمناها، ليبتلعه الموت بين جروح ودمامل واهمال طبي في غربة لم يبدأها.

بين أم الفحم وغزة، لا تقتصر المآسي عند قصة “التامرين”. فكل يوم قصة تنجح بأن تقسم هذا الوطن الى أقسام متناحرة. قبل أيام كان الهجوم المستعر في الهجوم على مجرد عدم الهجوم على المثليين ضد أمسية يتم نقاش التعددية الجنسية فيها. وكأن داعش خرجت عن بكرة ابيها واستوطنت في رؤوسنا. كراهية وبث للمشاعر الغاضبة وترهيب لا يفهم أصله.

اليوم، في القدس حرب بين من هو القدسي الأصلي أكثر، بعد ان تم تداول منشور يعدد فيه أسماء عائلات القدس بعد حملات الفتوحات الأيوبية والعثمانية. وكأن القدس انتهت مشاكلها وبقيت امام تحدي من هو أصله منها.

الاحتلال يترصد للمسجد الأقصى نحو تقسيم محتم، واهل القدس يقدمون صكوك انسابهم.

قدسي، خليلي، فلاح، قروي، مسيحي، قادم قبل الايوبيين ام زمن الامويين او بقيت منذ رحلة الاسراء، ما الذي يقدمه هذا لحماية هذه المدينة مما تبقى منها؟ الإسرائيليون ينخرون بنا من كل الاتجاهات ونحن نحاصر أنفسنا بحصار القبلية البلهاء، بدلا من ان نتكاتف لنكون الواحد الفلسطيني بكل تركيباته ومكوناته الاجتماعية والدينية والثقافية، ننقسم الى وحدات منفصلة تزيدنا بؤسا وتضعفنا وتعرضنا يوما بعد اليوم الى الهلاك.

بدلا من ان نشجع صوتا وصل الى الملايين مثل تامر نفار، وأثر بهم واستطاع ان يوصل الصوت الفلسطيني الشاب الى كل مكان، نحاصره.

وبدلا من ان نوفر الأمن وحرية التفكير بين غزة والضفة، نضغط على الشباب حتى الهروب والموت ثم نترحم عليهم كما حصل بالأمس مع تامر السلطان. ثم نرفع أيدينا الى الله ونسأله الوقوف معنا.

كيف يقف الله مع شعب يقف ضد أبنائه ؟
‎2019-‎08-‎23