دراسة متواضعة من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق وآفاق تطورها
بداية ظهور الطبقة العاملة في العراق !
الجزء الثالث


عبد الحسن حسين يوسف 
كتبت في الجزء الثاني ان وزير الداخلية عاقب مقدمي طلب تأسيس جمعية للعمال) محمد صالح القزاز ومحي الدين محمد ) بنقل الاول الى مكان عمل آخر وأيقاف علاوة الثاني ولكن هذه النخبة العمالية لم تستكين ولم تترك مطالبها العمالية واستطاعت بعد فترة ان تحصل على موافقة وزير الداخليةبتكوين جمعية باسم جمعية
العمال ولكن وزير الداخلية طلب تغيير هذا الاسم فقام مقدمي الطلب بتغير الاسم الى اسم (جمعية اصحاب الصنائع )وكان مقدمي الطلب كل من ..
1-محمد صالح القزاز
2-احمد السيد محمد
3- محمد مصطفى
4- نعيم فتوحي
5- يويف سيد طه
6-عبد الجبار سلمان
7-محي الدين محمد
ولكنها لم تكن جمعية تضم العمال فقط ومن خلال اسمها الواضح بل هي جمعية عامه للعمال ولاصحاب العمل ايضا وكانت جمعيه هلامية الشكل لا وضوح في مطالبها بل هي اهداف عامه وحتى الانتساب لها ايضا مفتوح فيكفي ان يكون المنتسب قد تجاوز العشرون سنة من العمر وسلوكه حسن بشهادة اثنين من الاعضاء ليكون عضوا في هذه الجمعية ولكن في بعض الاحيان ظهرت بوادر مطالب سياسية في هذه الجمعيات تجاوزت المطالب المهنية مثل تأييدهم لرئيس الوزراء توفيق السويدي عند تقديم استقالته احتجاجا على بعض التدخلات الانكليزية في عمل حكومته وكذلك استطاعوا اصدار صحف ومجلات رغم انها مكتوب في اجازاتها انها صحف ادبية وثقافية الا انها كانت تكتب في بعض الاحيان مقالات سياسية ومطلبية ولكن بأفكار خجولة مما دفع بعض اركان الحكومة والانتداب الى محاولة اغراء قيادات هذه الجمعيات بالوظائف الافضل والامتيازات وبعد فشلها في ذلك قامت بطريقة التخويف المباشر واغتالت رئيس جمعية البقالين علنا امام الناس بعد خروجه من اجتماع عمل نقابي .
كان لضعف البرجوازية الوطنية وتبعيتها للراسمالية الاوربية الاثر الواضح في عدم تطور الحركة النقابية العمالية وتجذير مطالبها المهنية ولم تنتج قادة عماليين كبار كما انتجت البلدان المجاورة الا في حالات استثنائية على راس هؤلاء المتميزين هو محمد صالح القزاز الذي لم يهادن السلطة السياسية ولم يتراجع عن اهداف العمال التي اعلن الاتزام بها رغم تعرضه للسجن والنفي والفصل من العمل ..
كانت الفترة التي تلت نهاية الانتداب البريطاني على العراق هي فترة ادت الى التطور العددي الكبير للطبقة العاملة العراقية من خلال ازدياد اعمال الاستثمار في مجالات النسيج والسكائر والزيوت وتطور السكك الحديدية نتيجة الحاجة الملحة لنقل البضائع السريعة من والى العراق مما ادى الى زيادة العاملين في الموانئ ثم ان دخول الكهرباء الى العراق اوجد ايضا طبقة عامله كبيرة تعمل في هذا القطاع في مجلات الانتاج والتوزيع والصيانة وتطور العمل الحكومي في مجالات عديدة وخدميه مثل عمال البلديات والماء والمجاري حتى وصل عمال الانتاج في العراق قبل 1958 الى اكثر من 260000 الف عامل يضاف لهم كثير من العمال الموسميين مثل عمال المكابس والتمور وعمال معامل الطحن والجرش في ايام المواسم الزراعية وكثير من العمال الزراعيين الموسميين ايضا ممن يعمل في المحاصيل الصيفية انتاجا وتسويقا وامام هذا التطور الهائل في العدد ظهر انتاج النفط في العراق الامر الذي جعل الحكومة تدخل الى سوق العمل من خلال المشاركة في مناصفة الارباح النفطية مع الشركات الاجنبية ووصول عدد عمال النفط العراقيون الى اكثر من 60000 عامل هذا الامر ادى الى ان تتحول الطبقة العاملة الى طبقة يحسب لها حساب واصبحت طبقة تعمل لذاتها وتريد تحقيق مطالبها المشروعة .
وامام تسلط ارباب العمل وحتى ادارات الدولة في القطاعات الانتاجية فيها الى ان يتعاون العمال في المهن المختلفة من اجل الحصول على حقوقهم مثل تحديد ساعات العمل واصدار قانون تشريعي للعمال وتحديد الحد الادنى للاجور واحتساب ايام العطل والجمع ايام مدفوعة الاجر واصدار قانون الضمان الاجتماعي وكان لتغلغل الفكر اليساري ومعرفة العمال بكثير من النشاطات العمالية العربية والعالمية كان لهذا التيار الدور الاكبر في تطور المطالب العمالية متجاوزين حتى مطالبها النقابية الى مطالب اكبر في المجالات السياسية ورغم انها لم تصل الى مستوى العمل السياسي الواضح الا انها في ذلك الوقت تعتبرخطوة متقدمه في هذا المجال وقد ساند العمال حزب ( الاخاء الوطني ) بقيادة ياسين الهاشمي والحزب (الوطني العراقي)بقيادة جعفر ابو التمن وقد ساندت نقابة العمال انقلاب بكر صدقي وتظامن معهم الشاعر محمد مهدي الجواهري باصداره صحيفة (الانقلاب ) المتظامنة مع الانقلاب ولكن ضعف وعي العمال انذاك جعل هذه الاحزاب تستثمرهم في صراعها مع الاحزاب الاخرى وبعض الاحيان مع القصر الملكي ولكن وجود بعض الماركسين من امثال يوسف متي ونوري روفائيل ومساندة محمد صالح القزازتمكنوا من الحصول على بعض المكاسب السياسية منها تحويل نادي السكك الترفيهي الى نادي ذو طابع سياسي وهذا النادي كان مقره في مديرية السكك الحديديه وعلى تماس مباشر مع العمال الساكنين قريب من المديرية في الكرخ مكانه الان هو مكان (فندق الرشيد ) الحالي هذا النادي تحول اسمه الى نادي المواصلات ثم نادي النقل لينتهي الى اسمه الجديد (نادي الزوراء )وقد اتهمت السلطة الملكية القائمين على ادارة النادي على انهم حولوه الى مقر للحزب الشيوعي العراقي فاشتدت المضايقة عليه ..
ومن اهم الاظرابات الكبيرة التي حدثت في سنين ما بعد الانتداب هو اظراب عمال المطابع الذي حدث في الثاني من تشرين الثاني سنة 1942 وقد وجه العمال انذارا الى ارباب العمل بتحقيق مطالبهم قبل يومين من الاظراب دون نتيجه وبعد الاظراب استطاع العمال بالحصول على زيادة في الاجور بنسبة 25% واعتبار الجمع والعطل ايام مدفوعة الاجر ليلتحق بعدهم عمال النسيج الذين حصلوا ايضا على مكاسب مادية بزيادة اجورهم وايضا الحصول على موافقة اصدار نشرة باسم ( صدى العمال ) وفي كانون الثاني من نفس السنة اظرب عمال سكائر جعفر وعمال سكائر عبد العزيز وعمال شركة الدخان العراقية وقد استمر اظرابهم خمسة ايام والتقى بهم وزير الشؤون الاجتماعية ووعدهم بتطبق الاتفاق الذي ابرم بينهم وبين ارباب العمل ولكن الوزير خنث بوعده الامرالذي اضطرهم الى القيام باظراب ثاني استطاعوا فيه الحصول على مطالبهم المرفوعة لارباب العمل ومنه الاتفاق على الحد الادنى للاجور وزيادتها ..
وكان للتطور في مجال استخراج النفط وتطور الكثير من الصناعات العراقيه المرتبطة به وظهور الورش الفنية واهمها ورش تصليح السيارات بعد الازدياد الهائل في عددها قياسا لما قبل الانتداب ان ازداد عدد العمال وخصوصا الفنيين منهم ولكن هذا التطور الهائل في العدد والخبرة النقابية لم تجذر وعي العمال الى الحد الذي يحول مطالبهم النقابية الى مطالب سياسيه واضحة كما اسلفنا ..
كان للقساوة الشديدة التي يتعرض لها الفلاحين ان اشتدت الهجرة من الريف الى المدينة وكان لمدينتي بغداد والبصرة النسبة الاكبر للهجرة حتى وصلت الهجرة لغاية سنة 1957الى بغداد من مدينتي العمارة والكوت الى 27 % من نفوس بغداد والى نسبة 30 % من نفوس البصرة في نهاية السنة نفسها واغلب الوافدين الى البصرة هم من العمارة وهذا ما شكل ضغط كبير على عمال بغداد والبصره لاستعداد الوافدين الحلول محلهم بالعمل خصوصا ان اغلب الاعمال لا تحتاج الى خبرة كبيرة وقد يتعلمها العامل في شهر وتحولوا الى عمال كاسري للاظراب في أي مكان من اماكن العمل واضافة الى هذا كان للهجرة الى بغداد من شماله واهمها هجرة اهل تكريت والقرى القريبة منها واستقرار الكثير من البدو في بغداد بعد تعرض اهالي بغداد للاوبئة مثل امراض الكوليرا والتيفوئيد والجدري الذي يقضي على الالاف من سكانها ان اختفت المظاهر الحضرية المعروفة في بغداد تاريخيا فيها وتحولت الى مدينة تحكمها الاعراف العشائرية وكانت عادات النهب والسلب والتجاوز على املاك الغير احد اهم هذه العادات السيئة الوافدة اليها من البدو والفلاحين اضافة الى ذلك فقد تعمقت الازمة الاقتصادية في العراق وفشلت الانتفاضات العراقية من تحقيق اهدافها واهم هذه الانتفاضات هي انتفاضة 1952 التي لم تستطع اقامة حكومة وطنيه عراقية ولكنها عمقت الازمة بين الحكم الرجعي والشعب واقنعت القوى الوطنية ان توحدها في جبهة عريضه كانت هذه الانتفاضة هي السبب المهم الذي دفع الجنود والضباط لتكوين حركة الضباط والجنود الاحراروالعمل على اسقاط النظام الملكي الرجعي عن طريق القوة هو السبيل الوحيد لتحرير العراق وتخلصه من الاحلاف الاستعمارية وتخلصه من المشاريع الاستعمارية التي تعمل لتبذير اموال النفط العراقي وكان مجلس الاعمار العراقي هو الذي اخذ على عاتقه اقامة مشاريع تبذيريه لا يستفاد منها الشعب العراقي وقد كان تحت سلطة مجلس الاعمار 70 %من عائدات النفط العراقي
ويبين الجدول التالي كيف ان مجلس الاعمار صرف اغلب المبالغ التي بعهدته في مشاريع خدمية لا تؤدي الى نمو الطبقة العاملة عدديا ولا لزيادة الانتاج الصناعي وتقليل الاستيراد من الخارج ..
الجدول الاتي يبين برامج مجلس الاعمار من 1951 وحتى 1959 وهو تاريخ الغاءه
نوع المشاريع …المصروفات الفعلية بالدينار …النسبة المئوية
1- المشاريع الزراعية ….80923471 ……….24 %
2-المشاريع الصناعية ….24851624 ……..11 %3-مشاريع 3-النقل والمواصلات ………67571705 ……..21 %
4-المباني والاسكان ……..82065423 ……….25 %
5-مجالات اخرى ………….58417530 ………19 %
المجموع العام………………329827875 ……………….100%
(عن كتاب -تقييم النمو الاقتصادي للدكتور هاشم جواد وكتاب القطاع العام للدكتور الشهيد صباح الدرة منقول من كتاب سعاد خيري ثورة 14 تموز )
ومن هذا نستنتج ان اقل نسبة كان للمشاريع الصناعية والتي بلغت 11 % فقط من ميزانية مجلس الاعمار وكان هذا من اهم الاسباب التي ادت الى تاخر نمو الطبقة العاملة وايضا عدم تقليل الاعتماد على النفط الذي بقي ملازم لكل الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق وكان اغلب المشاريع الصناعية هي مشاريع بناء وجسور وقلاع ضخمة من ابنية حكومية وغيرها من المشاريع التي لا يستفاد منها المواطن العادي وكان نصيب الشعب الكو ردي مزيدا من القمع والاضطهاد القومي والاهمال العام في المشاريع بكافة اشكالها مما جعل العيش في ظل هكذا نظام تبعي امر غير ممكن وهو ما مهد الى انتفاضة 1956 والتي تعتبر(( ابروفات)) ثورة 14 تموز 1958 وكان العدوان الثلاثي على مصر هو الشرارة التي مهدت لانتفاضة خريف 1956 وكانت هذه الانتفاضة هي تجربة لجبهة الاتحاد الوطني العراقية التي استطاعت ان تقيم تظاهرات في 30 مدينة عراقية اجبرت بها الحكومة الى اعلان الاحكام العرفية وغلق المدارس الثانوية والكليات في العراق وزجت بالالاف من الوطنيين وعلى راسهم الشيوعيون في السجون وقد استطاعت هذه الاحزاب تجاوز اخطاءها والتخلص من الكثير من الترددات التي رافقتها بامكانية بناء نظام وطني ديمقراطي في ظل هكذا حكومة رجعية وكانت اغلب هذه الاحزاب والجماهير العراقية الكادحة من عمال وفلاحين وكسبه مهيأين لاي عمل ثوري تقوم به القوى الوطنية والقوات المسلحة وكانت ثورة 14 تموز 1958 هي خاتمة المطاف للعمل الجماهيري المستمر والانتفاضات الجماهيريه التي لا تنهي وما ان تنتهي انتفاضة حتى تبدا الاخرى وكان الحزب الشيوعي العراقي هو دائما في طليعة أي عمل جماهيري او عمل جبهوي متكامل في كل مجالات العمل المعاض للنظام الملكي .
‎2019-‎08-‎18
(يتبع في الجزء الرابع )