خطاب السيد نصر الله والحماقات المعقلنة!

إيهاب زكي 
إنّ الكلام المكرر لا يثير الانتباه غالباً فضلاً عن الدهشة، ولكنْ لهذه القاعدة استثناء وحيد أن يكون السيد نصر الله هو المتكلم، فقد يكون هو الشخصية الوحيدة على سطح الكوكب، التي بإمكانها تكرار الكلام دون أن يفقد قيمته موضوعاً ورونقه شكلاً، بل على العكس حيث يصبح التكرار إضافة بحد ذاته ومحفزاً ومثيراً للاستكشاف، فكلام السيد نصر الله مهما تكرر فأنت ـ إن كنت فرداً أو مركزاً للأبحاث أو منظمة أو دولة ـ بحاجة لاستجماع كل حواسك واستخدامها دفعةً واحدة، حتى تستطيع تفكيك كلامٍ بوضوح الشمس التي تكرر نفسها كل يومٍ شروقاً.

كرر السيد نصر الله الكثير من الكلام في خطابه بمناسبة الذكرى 13 لانتصار تموز 2006، ولكن أبرز ما كرره ثلاثة مواقف:
أنّ تدمير الفرق والألوية”الإسرائيلية” سيتم على البث المباشر حال دخولها جنوب لبنان، أنّ العدوان على إيران سيشعل المنطقة بأسرها، حكاية الوفد العربي في مجلس الأمن أثناء العدوان عام 2006، ولكن هذه المرة بدون ذكر اسم ناقل الحكاية حمد بن جاسم، وزير الخارجية القطري آنذاك.
في الموقف الأول فإنّ التدمير على شاشات التلفزة مشروطٌ بدخول القوات إلى جنوب لبنان، وهو ما لن يحدث حتى في أشد لحظات الكيان حماقةً، وهو ما يجعل من حديث السيد عن أنّه جزءٌ من محورٍ يسعى لمنع الحرب لا إلى إشعالها كلاماً يقينياً.
في الموقف الثاني كرر السيد الموقف ذاته سابقاً مع إضافةٍ مرعبة ومربِكة هذه المرّة، حيث قال “إنّ الحرب ستدمر دولاً وتبيد شعوباً”، وهو ما يجعلنا نذهب نحو القطع بأنّ السيد نصر الله يقطع بأنّ الحرب في حال اندلاعها سيُستخدم فيها سلاحٌ غير تقليدي، على قاعدة عقيدة شمشون التي يتبناها كيان العدو.
أما في الموقف الثالث فقد أضاف السيد إضافةً مبشرة مطمئنة، حيث اعتبر أنّ وقف الحرب جاء تقديراً لتضحيات اللبنانيين وخشيةً على المزيد منها، فهذه مقاومة تملك من الأخلاق ما يجعلها جديرة بائتمانها على الدماء والأوراح والممتلكات، وما يجعل بيئتها في حالة اطمئنانٍ تام، ومبشرةٌ لأنّ السيد أضاف أنّ المقاومة اتخذت كل ما يلزم لحماية هذه البيئة في حال وقوع الحرب.
بعد إجمال هذه الحيثيات أودّ العودة لما كتبته تعليقاً على إجابة السيد نصر الله في لقائه على قناة المنار عن سؤال من سيصلي في القدس، أنت أم أولادك أم أحفادك؟ فأجاب: بالمنطق أنا سأصلي في القدس. إنّ منطق السيد نصر الله يقطع بأنّه هو من سيصلي في القدس، ولكن منطقه ذاته وفي الوقت ذاته يقطع بأن مراكمة القوة تعني منع الحرب، وأنّ هدفه ومحوره عدم وقوعها. والسؤال المنطقي بعيداً عن منطق السيد كيف يستويان؟ فكتبتُ حينها عن احتمال مداعبة تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي لمخيلة محور المواجهة تجاه كيان العدو، حيث إن منطق السيد نصر الله يفترض أنّ العدو سيستخدم سلاحاً نووياً خصوصاً أن هزيمته تعني زواله، وزواله يعني احتمالية اللجوء لخيار شمشون بهدم المعبد على الجميع.
إنّ كيان العدو واقع اليوم بين خيارين لا ثالث لهما، إما الذهاب إلى الحرب وهو الخيار الصعب، وإما البقاء في حالة انتظار فيما هو يزداد هشاشة ويراكم وهناً على وهن، فيما محور المواجهة يزداد قوة ويراكم قدرة على قدرة وهو الخيار الأصعب، ولا يبدو من استراتيجية لدى كيان العدو للتغلب على المراوحة في هذا الموضع سوى أمرين، الأول هو عمليات عسكرية استعراضية بدون أي فائدة ميدانية ودون تأثير على موازين القوى كما يفعل في سوريا، وهذا من باب محاولة الإيهام بوهج القوة والقدرة، أما الثاني فهو تسريع وتيرة التطبيع الذي يعتقد أنه يضمن له اختراق نسيج المنطقة السياسي والثقافي والاجتماعي، وهو ما يعتقد أنه سيجعل قوة محور المواجهة قوة مكبلة وحبيسة.
إذاً نحن أمام طرفين يتجنبان المواجهة بل ويعملان على ذلك، وفي الوقت ذاته يسعى كل منهما إلى إزالة الآخر. وبما أنّ”إسرائيل” لن تستطيع مواصلة العمليات الاستعراضية طويلاً، حيث لن تظل الأراضي السورية مرتعاً لفترةٍ طويلة، كما أن وتيرة التطبيع مهما كانت سريعة ومتفشية، فلن تصبح”إسرائيل” جزءًا من نسيج هذه المنطقة ولو أنفقت ما في آبار كيانات النفط جميعاً، فإن محور المواجهة يعتمد على مراكمة القوة ليس استعداداً للحرب فقط، بل منعاً لـ”إسرائيل” من القدرة على شنّها، وهو ما يجعل وجودها كمخلبٍ استعماريٍ عديم الفائدة، كما أنّها كيان عدوانيٍ بطبعه، وغلُّ يده عن العدوان يجعل منه كياناً مشلولاً وبالتالي مغادرة مربع القوة بما يعني تجرؤ الآخرين على مقاومته حتى ممن وقّع معهم اتفاقيات سلام تحت وهج القوة والقدرة، وهذا ما سيجعل مستوطنيه يشعرون بأن مكانهم الآمن تحول إلى أخطر مكان لليهود على ظهر الكوكب، وبالتالي تصبح الهجرة العكسية هي الحل الأمثل.
وفي النهاية يبدو أنّ محور المواجهة يعتمد هذه الاستراتيجية مقابل استراتيجية العدو البائسة، والشيء الوحيد الذي سيجعل زوال كيانه أمراً ساخناً ومكلفاً هو ارتكاب حماقةٍ كبرى تشعل فتيل الحرب، ولكن مع إدراك العدو ورعاته لقوة محور المواجهة، يبدو أنّه حتى الحماقات أصبحت عاقلة أو معقلنة إجبارياً.

2019-08-18