أميركا الناسكة *
حسين مروة  
ستقولون: كيف هذا؟
هل أميركا التي تستبيحُ قتلَ الزنوج من أبناء وطنها، فضلاً عن حرمانها إياهم أبسط حقوق الإنسان؟
هل أميركا التي تُعطي فرنسا المال والسلاح لإبادةِ شعب الجزائر؟
هل أميركا التي سفكَتْ طائراتُها دماءَ الأطفال في ساقية سيدي يوسف بتونس؟
هل أميركا التي أبادت نحو مئتيْ ألف إنسان دفعةً واحدة، في مدينتيْ هيروشيما وناغازاكي اليابانيتيْن، دون أن يطرفَ لها جفن، أو يختلجَ في ضميرها عِرق؟
هل أميركا التي تزرعُ بذورَ الاستعمار من جديد في أنحاء المعمورة، وفي عصر وعي الشعوب، عصرالاشتراكية والأقمار الصناعية، كما تزرعُ ألغامَ الحرب الكونية في كل مكان، وقواعدَ الصواريخ في بلدان أوروبة والشرق الأوسط لإبادة الإنسان والحياة؟
هل أميركا التي تطوفُ طائراتُها الحاملةُ قنابلَ الموت والدمار بالجملة، في فضاء الدنيا المسكونة، لا تبالي أن يقعَ منها الموتُ والدمار في لحظةِ غفلةٍ أو خطأ أوعارضٍ مفاجئ ، فيهلكَ ملايين الناس، وتندثرَ مئاتُ المدن والقرى والمزارع؟
هل أميركا التي تعمل، ليلَ نهار، في هذا الزمان، لتستلبَ أقوات الشعوب، ولتَرجعَ في التاريخ القهقرى إلى عبوديات الإنسان للإنسان؟
ستقولون: هل أميركا هذه -أميركا ايزنهاور ودالاس- هي نفسها الناسكة الزاهدة، فيما تزعم أيها الكاتب؟
وأقولُ لكم: نعم، هي هي بالذات… ولا أُكذّبكم أيها الناس!
أليستْ هي نفسها، وهي وحدها، التي تنتصبُ الآن بقامتها المديدة، على أعيُنِ الملأ من سكان الأرض كافّة، لتقولَ للاتحاد السوفياتي، دون استحياء، وبجرأة فذّة: امنع نفسَك ما شئتَ عن تجاربِ الأسلحة النووية، فلن تحملنا على مجاراتِك، لأنّك إنما تفعل ذلك لمجرد الدعاية!
هل يعني ذلك -أيّها العاذلون- غير أن أميركا زاهدة في الدعاية؟… هل يعني ذلك سوى النسك والتزهّد؟
لتزحفْ زحوفُ السلام من أي مكان وإلى أي مكان… لتصرخْ شعوبُ الأرض من كل البلدان وكل القارّات، هاتفةً باسم السلام، مطالِبةً بوقف التجارب الذرية والهيدروجينية، بتحريم كل أسلحةِ الإبادةِ الشاملة، بمنع التسابقِ المحموم للتسلّح، بقلعِ القواعد العسكرية وهدمِ الأحلاف والتكتلاتِ الدولية ، بجعلِ التعايش السلمي المبدأَ الأوحدَ للتعامل بين كل الدول وكل الأنظمة.
ليزحف الشعب الأميركي نفسُه، ولو سيراً على أقدامه من شواطئ الأطلسي، ثم ليقفْ صفاً واحدداً على باب ايزنهاور في البيت الأبيض، أو على باب الأمم المتحدة في نيويورك، ثم ليمزِّق حناجرَه صارخاً: نريدُ السلام، نريدُ التعايشَ السلمي، لا نريدُ تفجيراً نوويّاً، لا نريدُ سلاحاً، لا نريدُ حرباً، بل أمناً وسلامةً وعيشاً وعملاً ورخاءً ومحبة…
ليكنْ كلُّ هذا.. لتقم الدنيا كلَّها ولا تقعد، فإن أميركا -أميركا ايزنهاور ودالاس- لن تهتزَّ .. لن تحرِّك رأسَها بـ”نعم”، لأنها لا تريدُ الدعاية… لأنها تمقتُ الدعاية… لأنها الزاهدةُ الناسكة!
غير أنّ رأسَها سيتحركُ من تلقاءِ ذاتِه قهراً، وسيومئ بـ”نعم”، وستموت أميركا وفي نفسها حسرةٌ من “لا”.
* مقالة للشهيد حسين مروة نُشِرَت في جريدة “الأخبار” في زاوية من “لحم ودم ” بتاريخ 13 نيسان 1958
عن النداء
‎2019-‎08-‎18