مخاض الشرق الجديد وجبهة المقاومة!

غالب قنديل

الخطاب الذي ألقاه قائد المقاومة في يوم الانتصار التاريخي على العدو الصهيوني عام 2006 شكل بيانا استراتيجيا عاما عن النضال الذي تخوضه المنطقة في مجابهة المخطط الاستعماري الصهيوني الرجعي بقيادة الولايات المتحدة وهو مخطط استعمار ونهب وهيمنة يستهدف الثروات والأسواق وإرادة الاستقلال والتحرر والتنمية المستقلة.

 

من بين أهداف الحلف الاستعماري تكريس الكيان الصهيوني كوكيل إقليمي وقاعدة عسكرية طاغية في قلب المنطقة وتصفية قضية فلسطين وهو ما أطلق عليه شمعون بيريز قبل سنوات تسمية الشرق الأوسط الجديد قبل ان تتبناه حكومة الولايات المتحدة وتعلن عنه كونداليسا رايس كهدف رئيسي لحرب تموز التي قال السيد نصرالله إن أي سؤال عن النتائج والاحتمالات لو انتصر فيها العدو تقودنا إلى فهم ان التتمة كانت ستعني إسقاط سورية وتدمير قوتها ودورها في المنطقة وتصفية المقاومة في غزة وتكريس الاحتلال الأميركي في العراق ومحاصرة إيران واستنزافها.

السنوات الثلاثة عشر التي انقضت منذ نصر تموز أكدت استمرار محاولات الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي في اختبار خطط جديدة وأدوات بديلة بعد عجزه الواضح وهزيمته الفاضحة في حرب تموز وقد كانت موجة ما سمي بالربيع خطة بديلة منيت بالفشل وتفككت في سياقها جميع الحسابات والأدوات فلجأ المخططون الأميركيون والغربيون إلى السيناريو الثالث وهو غزوة التكفير التي اجتاحت المنطقة برمتها انطلاقا من سورية والعراق ولبنان حيث ألقى الحلف الاستعماري بثقله الضخم وبآلته الاستخباراتية وباحتياطه من الحكومات الرجعية التابعة ومقدراتها المالية العملاقة خلف العصابات الإرهابية متعددة الجنسيات لكسر إرادة الاستقلال والمقاومة في الشرق العربي ولإغراق المنطقة في حروب اقتتال مديدة.

خلال هذه السنوات تمكن محور المقاومة من إحراز نصر جديد بل إنه توسع وتخطى نطاق الحلف السوري الإيراني التحرري الصامد والمتجدد منذ أربعين عاما بتحول حزب الله في حضنه منذ التحرير وبعد حرب تموز إلى قوة إقليمة رادعة باعتراف جميع الأعداء وعلى رأسهم قادة الكيان الصهيوني ومع الصمود المستمر للمقاومة الفلسطينية وبانبثاق الحشد الشعبي العراقي وقوة انصار الله في اليمن في سياق النضال ضد الغزوة الاستعمارية ومع الصمود الإيراني المثير في وجه الحلف الاستعماري الغربي وجميع ادواته في المنطقة.

هكذا تكون في ميادين الصراع حلف متناغم في الشرق يكافح من اجل شرق جديد محرر من الهيمنة وهو حلف يدافع عن قضية التحرر الوطني والاستقلال في المنطقة ويردع قوى العدوان المتغطرسة التي يمثلها الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي وهذا ما سماه نصرالله بحلف منع الحروب وجعل الهيمنة الاستعمارية الصهيونية صعبة المنال.

إنه الصراع المستمر بين محوري المقاومة والهيمنة على مستقبل المنطقة وحيث يتناغم المقاومون والأحرار في الدفاع عن بلادهم وعن كرامة شعوبهم ويتبادلون الدعم والخبرات ويتشاركون خوض المعارك والتحديات من غير استعراض ودون يافطات والحصيلة الفعلية ان القاعدة الاستعمارية الصهيونية الرئيسية التي انشاها الغرب في منطقتنا بدافع إخضاعها باتت لأول مرة مكتفة ومحاصرة وفاقدة للقدرة على المبادرة بل إن أي مغامرة عدوانية تخوضها بقيادة وبتخطيط اميركي – كما كانت في حرب تموز- قد تتحول إلى فرصة ثمينة لمحور المقاومة للتخلص من “الغدة السرطانية ” كما شرح السيد نصرالله في إطلالته التي سماها العدو بخطاب الخارطة وحيث عرض قائد المقاومة سيناريو الزوال إن وقعت أي حرب في المنطقة ضد أي من اطراف محور المقاومة الجاهز لتطوير استراتيجيته الدفاعية بنسق جديد وبقدرات هائلة متعددة الموارد قادرة على قلب الطاولة كليا كما أعاد التأكيد في خطابه من مربع بنت جبيل.

تظهير قائد المقاومة باسم المحور لهذه الحقيقة التي اعترف قادة العدو بصوابها وبما استندت إليه حساباتها من عناصر القدرة والقوة هو ما يلجم العربدة الاستعمارية في هذا الشرق الذي بات جديدا فعلا بفضل ردع حلف العدوان والنهب والهيمنة الذي تحكم بأقدار بلدانها وبمصائرها السياسية وشروط حياتها الاقتصادية عبرعقود طويلة منذ مطلع القرن الماضي.

الصراع مستمر بين المحورين ومن الواضح منذ اليوم ان انتصار سورية واليمن سيكون التحول البارز والنوعي المرتقب مهما اقتضى من الوقت وهو سيقتضي دون شك زمنا وجهودا وتضحيات لكن ستكون له انعكاسات هائلة على توازن القوى الإجمالي وكذلك وبالأولوية نفسها سيكون المحور امام تحدي تطوير المقاومة الفلسطينية وتصاعدها في الضفة الغربية المحتلة إلى جانب قدراتها الرادعة المتعاظمة في غزة.

التحدي الاستراتيجي الجوهري اللاحق لانتصار سورية واليمن سيكون تحرر العراق ولبنان من جبرية المساكنة غير المتوازنة بين المحورين دون تعريض السلم الأهلي فيهما للخطر وتحول المحور المقاوم إلى جبهة تحمل مشروعا تاريخيا لبناء هذا الشرق الجديد وهو امر يستدعي من هذه اللحظة عملا فكريا واستراتيجيا وسياسيا يتصل بمستقبل المنطقة وتحررها اقتصاديا واجتماعيا بينما تنفتح آفاق عالمية جديدة وواعدة من خلال صعود قوى الشرق العظمى وتوسع ادوارها في العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بما يصدع الهيمنة الأميركية على العالم.

ما هو مطلوب البحث في شانه وطرح الأسئلة حوله يتعلق بالشراكات الإقليمية المستحقة لشبك دول المحور في علاقات اقتصادية شاملة والتخلص من اختلال المساكنة وافتقارها للتوازن في كل من بغداد وبيروت وكيفية ربط بلداننا بالقدرات الإيرانية الواعدة وبمبادرة الحزام والطريق الصينية وتطبيق مبدأ التوجه شرقا نحو روسيا وإيران والصين والهند وهذا موعد مع تاريخ جديد ينبغي التطلع إليه والعمل لتحققه الناجز إلى جانب الثبات الدفاعي الرادع لخطر الحروب الاستعمارية الصهيونية

2019-08-17