موقف الجابري من التراث!
علي رهيف الربيعي   
ولتوضيح هذه المسألة نكتفي باستحضار مثال من كتاب العقل السياسي العربي . يتأرجح الجابري في نظرنا بين اختيارين ، فهو من جهة يعلن أن : ” نقد العقل السياسي العربي يجب أن يبدأ من هنا ، من نقد ميثولوجيا الإمامة ، من رفض مبدأ الأمر الواقع الذي تكرسه الإيديولوجيا السلطانية ” (1) ، ويعتبر أن غاية كتابه تتمثل ” في تعرية أصول الاستبداد ” (2) . وفي مستوى ثان ، يتحدث المؤلف عن أصول مؤسسة الحكم في الاسلام فيذكر النموذج المحمدي ، نموذج الدعوة المحمدية ، اسلام عهد النبوة ، ويعتبر أن إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام يجب أن تنطلق من إعادة تأصيل الأصول الثلاثة التي تؤسس النموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية ، ” وأمرهم شورى بينهم ” ” وشاورهم في الأمر ” ، ” وأنتم أدرى بشؤون دنياكم ” ، ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ” (3) .
وبعد هذا النص ، يتحدث الباحث بلغة أخرى ، فيقول : ” ليس هناك نظام في الحكم شرع له الاسلام ، وإنما قام مع تطور الدعوة المحمدية نظام في الحكم اعتمد في البداية وعقب وفاة النبي نموذج ( الأمير ) القادر على القتال ، وكان ذلك ما يحتاجه الوقت وتفرضه الظروف . وعندما تطورت الدولة العربية الاسلامية مع الفتوحات والغنائم وانتشار رقعة الإسلام بات نموذج ( أمير الحرب ) غير قادر على استيعاب التطورات الاجتماعية والحضارية التي حصلت فبرز فراغ دستوري وبما أن المسألة لم تعالج معالجة سلمية فقهية فقد بقي القول الفصل للسيف ، وهكذا انتزع معاوية (الأمر ) بقوة السلاح وفرض نفسه ( خليفة ) . وبما أنه كان يفتقد إلى الشرعية التي كانت إلى ذلك الحين تستند على ( الشورى ) ورضى الناس ، فقد لجأ ادعاء ( رضى الله عنه ) فقال إن قضاء الله وقدره هو الذي ساق إليه الحكم . إن افتقاده الشرعية البشرية الديمقراطية قد جعله يدعي ( الشرعية الالهية ) في مسألة تركها الشرع الإلهي للناس ، وسيأتي العباسيون لينقلوا هذه ( الشرعية الالهية ) المزعومة من ميدان ( القضاء والقدر ) إلى ميدان ( الإرادة الالهيه ) ، فأصبح الخليفة العباسي يحكم لا بسبب ( سابق علم الله ) بل بمشيئته وإرادته ( الله ) وبالتالي صارت إرادته ( الخليفة ) من إرادة الله (4) .
المراجع :
(1) العقل السياسي العربي ، ص ٣٨٩ .
(2) المرجع نفسه ٣٩٦ .
(3) المرجع نفسه ، ص ٣٩٨ .
(4) المرجع نفسه ، ص ٤٠٢ .
2019/08/13