عيد سعيد.. تحت القمع والحكم الفرديّ المطلق!
سعود قبيلات 

كلّ عام وأنتم بخير، وعائلاتكم بخير وأصدقاؤكم وأحبّاؤكم بخير. كما نتمنَّى أيضاً أنْ يكون وطننا بخير، وأمّتنا بخير، وأن لا يأتي العيد القادم ونحن نقول مع المتنبِّي: «عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيد».

ومع الأسف، بينما نحن نتبادل التهاني بالعيد، لا يتذكّر معظمنا أنَّ عدداً غير قليل من الوطنيين الأردنيين الأحرار موجود في سجون النظام؛ لأنَّهم عبَّروا عن آرائهم الحرّة المسؤولة في خصوص ما يجري في بلادهم ولبلادهم. لقد فعلوا ذلك بالنيابة عنّا، وسُجِنوا لأنَّهم دافعوا عنّا وعن حقوقنا وعن كرامتنا وعن لقمة عيشنا وعن بلدنا.

يمضي هؤلاء مناسبة العيد بعيداً عن أُسرِهم، وتُحرَمُ أُسَرُهم منهم، وهم لم يمارسوا سوى ما هو منصوص عليه مِنْ حقوق ثابتة لهم وفق مختلف لوائح حقوق الإنسان الدوليّة. لم يرتكب هؤلاء أيّ جرم ولم يلجأ أيٌّ منهم إلى العنف لفرض رأيه، بل مارسوا معارضتهم للسلطة بالوسائل السلميّة المشروعة.

بالمقابل، استخدمتْ السلطة الحاكمة، ضدَّهم، عنف السجون والمعتقلات.. بدلاً مِنْ أنْ تردّ على الكلمة بكلمة مضادَّة، والأساليب المشروعة بأساليب تنسجم مع اللوائح الدوليّة لحقوق الإنسان والمواطن.

ورغم أنَّها اعتادت أنْ تكيِّف القوانين باستمرار لتكون على مقاس مصالحها الضيِّقة (بل والشخصيّة أيضاً في الكثير من الأحيان)، فتتوهَّم بأنَّها تمتلك شرعيّة قانونيّة – حتَّى لو زائفة – للبطش بخصومها وفرض قراراتها السلطويّة على الشعب، إلّا أنَّها كثيراً ما خالفت وتخالف حتَّى منظومة القوانين هذه التي تضعها هي بنفسها. والغاية هي حماية عصابة الفساد والاستبداد وإتاحة الفرصة لها لمواصلة فسادها واستبدادها.

السجون لا تكسر الوطنيين الأحرار ولا تُخضعهم، بل تصلّبهم وتوفِّر لهم تجربة كفاحيّة ثمينة، وتزيدهم تصميماً وإصراراً على أهدافهم ومطالبهم العادلة، وتربِّي كوادر وقيادات ضروريّة للحركة الوطنيّة.

لقد فُرِضَت هذه السلطة على البلاد وعلى الشعب الأردنيّ منذ العام 1921. وطوال هذه المدّة المديدة، إمَّا أنَّها لم تسمح للشعب بالتعبير عن إرادته الحرّة، أو أنَّها قامت بتزويرها بطريقةٍ فظَّة ومفضوحة.

وبناء عليه، فإنَّ هيمنة هذه السلطة على البلاد، وتصرّفها غير المسؤول وغير الأمين بمقدِّراتها، وقمعها للوطنيين الأحرار، قد جاءت معتمدةً على القوّة القهريّة الغاشمة وحدها وليس بالاستناد إلى شرعيّةٍ مستمدّة من الشعب.

وطوال المئة سنة الماضية، رُهِنَ استقلال البلاد، وحُرِمَتْ من السيادة الوطنيّة، وحيل بينها وبين التنمية الوطنيّة، ودُمِّرت القطاعات الإنتاجيّة من اقتصادها، وبيعت ثرواتها بأثمان بخسة.. حيث أحيطت تلك البيوعات بروائح الفساد النتنة التي تزكم الأنوف؛ لتظلّ البلاد معتمدةً على استجداء القروض والمساعدات، وتأجير الخدمات السياسيّة، إلى ما لا نهاية. ولم تبنَ للدولة مؤسَّسات، وأُخضِعَتْ للحكم الفرديّ المطلق (الأوتوقراطيّ) لتكون – إلى جانب دول الخليج وسلطنة بروناي – ضمن آخر تسعة أنظمة ملكيّة مطلقة في العالم.

أي أنَّ إدارة الدولة لم تُسجِّل سوى الفشل. وأحرى بها، والحالة هذه، أنْ تعود إلى الشعب، وتعيد له بلاده، ليتحمَّل مسؤوليّة إدارتها بالطريقة التي يراها مناسبة.

كثير مِنْ دول العالم قامت بعد قيام النظام الحاليّ في بلادنا بعشرات السنين؛ لكنَّها سبقتنا في كلّ شيء.. في التنمية، وترسيخ الاستقلال، ومستوى معيشة المواطنين، وبناء المؤسَّسات، وتوطيد الأساليب الديمقراطيّة في الحكم. ولم تكن لبلادها موارد أكثر مِنْ موارد بلادنا، ولم يكن شعبها أكبر مِنْ شعبنا، ولا كوادره أكفأ مِنْ كوادرنا. ولكن الإرادة السياسيّة فيها كانت حُرّة ووطنيّة ومسؤولة وواعية.

وها هو الشعب السودانيّ الشقيق، يطيح بحكمٍ ليس ديكتاتوريّاً فقط، بل ثيوقراطيّاً أيضاً (وهذا أبشع)، ليضع قدمه على طريق الديمقراطيّة والتقدّم والتنمية الوطنيّة.

وفي تونس الشقيقة أيضاً، تسير عمليّة تداول السلطة بسلاسة ووفق الأسس الدستوريّة الديمقراطيّة، وبالاستناد إلى إرادة الشعب.

الشعب الأردنيّ ليس أقلّ مِنْ هذين الشعبين الشقيقين وسواهما من الشعوب التي خطت وتخطو على طريق الحرّيّة والتقدّم.

والآن، تقف البلاد على مفترق طرق، ومصيرها كلّه يوضع على طاولة الدول الإمبرياليّة وتوابعها من الدول الإقليميّة. ومع ذلك، لا يتمّ الرجوع إلى الشعب.. صاحب الحقّ الأوَّل والأخير في تقرير مصيره ومصير بلده.

في زيارات كوشنير الأخيرة إلى الأردن، جلس معه الملك وتباحث معه في غياب رئيس الحكومة التي يُفتَرض أنْ تكون هي صاحبة الولاية. بالطبع، جزء كبير من اللوم في هذا يقع على الحكومة ورئيسها لقبولهم بمصادرة دورهم على هذا النحو المفرط. ولكن، في كلّ الأحوال، الشعب لم يكن موجوداً في هذه المفاوضات. فبأيّ حقّ يتمّ البحث في أمور تتعلَّق بمصير البلاد والشعب في غياب الشعب؟!

الشعب، الآن، يطالب باسترداد بلاده وثرواتها ومواردها، وبأنْ يحكم نفسه بنفسه، ليبني دولة القانون والمؤسَّسات.. دولة الحرّيّات والديمقراطيّة، ويرسي دعائم الاستقلال الحقيقيّ، ويؤسِّس للنهوض والتنمية الوطنيّة. وهو يقول، بملء صوته، إنَّ بلاده ليست للبيع أو المقايضة، وحقوقه المشروعة ليست قابلة للتفريط أو المساومة.

باختصار، الشعب يطالب بحقّه في تقرير مصيره، وهذا حقّ منصوص عليه في «العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة».

يقول «العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة»، في المادّة الأولى منه، بند رقم 1 ما يلي: «لجميع الشعوب حقّ تقرير مصيرها بنفسها. وهي بمقتضى هذا الحقّ حُرَّة في تقرير مركزها السياسيّ وحرّة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ.»

وبحسب موقع وزارة العدل، فإنَّ «العهد الدوليّ» واحد من مجموعة من الاتِّفاقيّات التي صادقت عليها السلطة الحاكمة وانضمَّتْ إليها. «وقد دخلت حيز النفاذ (وحسب الأصول) وأخذت مركزها ضمن الهرم التشريعي الأردنيّ وهي واجبة التطبيق». وهذا ينطبق أيضاً على عددٍ كبير من حقوق الإنسان والمواطن المنصوص عليها بوضوح في لوائح حقوق الإنسان الدوليّة ولكنّها ليست مستوفاة.

يخدع النظام نفسه حين ينظر إلى أعداد الناس القليلة من المشاركين في وقفات الحِراك. ولكنَّه، قبلنا وأكثر منّا، يعرف أنَّ الناس المعتصمين في البيوت ليسوا معه، وهو يخسر المزيد منهم بصورة متواصلة ولا يكسب أحداً. وأحرى به، والحالة هذه، أنْ يبني على هذا الأمر مقتضاه، بغضِّ النظر عن أعداد المشاركين (أو عدم المشاركين) في الفعاليّات الحِراكيّة.

لا يمكن للوضع المتردِّي القائم الآن أنْ يستمرّ إلى ما لا نهاية. وإذا لم يتمّ ترتيب عمليّة تجاوزه بصورة حكيمة مدروسة، فإنَّها ستحدث بطريقة عفويّة (أي فوضويّة). وسيصعب، عندئذٍ، التحكّم بمسارها وتطوّراتها. فالتحوّلات التاريخيّة لا تنتظر أحداً، وإذا لم يبادر المعنيّون إلى التحكّم الواعي بها، فإنَّها هي التي ستتحكّم بهم وتقودهم في مسارب قد لا يرغبون بها.

مطلوب من النظام أنْ يُظهِر قدراً كافياً من الشعور بالمسؤوليّة، فيستجيب لمطالب الناس المحقّة، لتخرج البلاد مِنْ أسلوب الحكم الذي ينتمي إلى العصر الوسيط إلى أسلوب حكم ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين ويليق بالشعب الأردنيّ، فيطلق طاقاته ويستفيد بإمكاناته، بدلاً مِنْ أنْ يعطِّلها ويحبطها.. كما هو جارٍ الآن.

وأوَّل خطوة على هذا الطريق، هي إطلاق سراح معتقلي الرأي، وإلغاء منظومة قوانين تكميم الأفواه العرفيّة.

وعلى أمل أنْ يأتي العيد القادم وقد انتهى الظلم والاستبداد والفساد والقهر، وحانت لحظة الحرّيّة والديمقراطيّة والتحرّر الوطنيّ والعدالة الاجتماعيّة.
عن مدونة الكاتب
‎2019-‎08-‎10