ما بعد التفاهم التركي الأميركي! 
غالب قنديل  
منذ سنوات يختبر الحليفان الروسي والإيراني فرص احتواء الدور التركي في العدوان على سورية ويحاولان تقديم الحوافز لحكومة أردوغان وفريقه على أمل جذبه نحو المحور المناهض للهيمنة الأميركية في المنطقة وقد حققا بعض النجاحات في انتزاع تراجعات سياسية من أردوغان لحساب الاعتراف نظريا بمبادئ سياسية تناسب الدولة الوطنية السورية في جميع البيانات المشتركة حول سورية.

تحصنت سورية بالتفاهم مع طهران وموسكو على مباديء سيادتها الكاملة واستقلالها الوطني وبأولوية محاربة الإرهاب بينما تمسكت باعتبار الوجود العسكري التركي مباشرة وبالواسطة احتلالا متوجب الإزالة والاقتلاع بينما حول أردوغان الفرص الروسية والإيرانية إلى ميدان ابتزاز حصل فيه على مكاسب اقتصادية ومالية وفيرة.
تعاملت الدولة الوطنية السورية بصبر وجلد مع حسابات حليفيها وعالجت بالاحتواء تعثر التفاهمات والوعود التي نكث بها أردوغان الذي أبقى على دعمه السياسي والعسكري لعصابات القاعدة وزمر الأخوان المسلمين على الرغم من الإغراءات السياسية الكبيرة التي عرضت عليه من خلال آليات ومؤتمرات أستانة وعبر اتفاق سوتشي الذي وقعه بخط يده مع الرئيس فلاديمير بوتين وكذلك على الرغم من تورم الوهم السياسي أحيانا عند الحليفين الكبيرين لسورية بعد الانقلاب الفاشل في تركيا وتأزم العلاقات الأميركية التركية.
وضع الرئيس التركي بيده نقطة النهاية لزمن المراوغة من خلال الاتفاق الذي أبرم بين وزارة الدفاع التركية والسفارة الأميركية في أنقرة لتنظيم التنسيق الوظيفي بين الاحتلالين التركي والأميركي حول ما سمي بالمنطقة العازلة وهذا مصطلح ندعو الإعلاميين الوطنيين للامتناع عن استخدامه فهي منطقة احتلال تركي اميركي.
وضع أردوغان بخطوته الأخيرة روسيا وإيران في مجابهة حقيقة رفضه حسم خياراته كما امل القادة الروس والإيرانيون وهو يؤكد مجددا تمسكه بدور في سورية تحت القيادة الأميركية بينما يعطل جميع التعهدات والتفاهمات مع موسكو وطهران التي أعطت القيادة السورية كل الوقت اللازم لاختبار جدواها واستفادت من بعض نتائجها التكتيكية في معركتها المتواصلة لتحرير الأرض السورية من عصابات الإرهاب العميلة.
تدرك القيادة السورية بكل عمق حجم الأطماع التركية المزمنة وهي تعرف عن قرب درجة ارتباط النظام التركي اقتصاديا وسياسيا وامنيا بمنظومة الهيمنة الاستعمارية الصهيونية وبقيادتها الأميركية ولذلك لم يخامرها الشك بحقيقة الخيار التركي رغم المناورات والحيل السياسية التركية مع تفهمها لخلفية المساعي التي قام بها الحليفان الكبيران الشريكان في الدفاع عن سورية واستقلالها وهي محاولات تستند فعليا إلى كمية كبيرة من المصالح الاقتصادية والمالية التركية المشتركة مع روسيا وإيران.
تدرك القيادة السورية أيضا ان حليفيها لم يساوما يوما على مصالحها لحساب الشراكة مع تركيا وهما يدركان انه لولا العقوبات الروسية بعد حادثة الطائرة والنهج السياسي الحازم الذي اتبعته روسيا وإيران لما انتزع التوقيع التركي على التفاهمات السياسية التي صدرت تباعا في جميع اللقاءات المشتركة حول سورية وكانت تراعي على الدوام المبادئ السورية السيادية والاستقلالية وتنطلق من اولوية تصفية عصابات الإرهاب بما في ذلك صيغة مناطق خفض التصعيد التي ساعدت الجيش العربي السوري على الحسم العسكري بكلفة أقل من الدماء والخسائر المادية في معظم المناطق وخصوصا في حلب وغوطة دمشق.
تموضع أردوغان الصارخ تحت لواء الاحتلال الأميركي في سورية يسهل على القيادة السورية السير في معركة تحرير إدلب التي استأخرت توقيتها مراوغات أردوغان والمهل التي منحتها موسكو وطهران لمحاولة جذبه بعيدا عن المحور الأميركي وفي هذه الحالة باتت مراجعة الحسابات تفرض نفسها على الحلفاء الثلاثة سورية وروسيا وإيران وستحصد القيادة السورية دعما قويا لمبادراتها الميدانية المتواصلة لتحرير إدلب وفقا لخطتها الجاري تنفيذها.
على المقلب الآخر ثمة نتيجة تصب في مصلحة القيادة السورية وهي المأزق الذي بلغته خيبة القيادات الكردية من الموقف الأميركي الخاضع لأفضلية الشراكة مع النظام التركي ولإغراء استرداده نحو الحظيرة الأميركية الأطلسية بعد كل ما شاع من تأويلات واوهام بعد صفقة الصواريخ الروسية ونستدرك بالتشديد على ان من ارتبطوا من القيادات والكوادر الكردية كعملاء بالأميركي لا تعويل عليهم ولكنها فرصة للقيادة السورية لاستعادة جمهور كردي عريض إلى ولائه الوطني بعد سنوات من التضليل والتلاعب بواسطة العملاء والمرتزقة والخونة.
في عملية تحرير إدلب ستظهر قوة آليات العمل السوري المشترك مع الحلفاء وتزداد ثقة وقوة ومعها سوف تتوسع مساحات تظهير القدرة السورية واتخاذ المبادرات السياسية والعسكرية لتحرير الشرق من المحتلين الأتراك والأميركيين ونستطيع ان نقول لجميع المشككين : يضحك كثيرا من يضحك اخيرا …
‎2019-‎08-‎10