الهوية وأثرها في قضايا الأمة!  

عبير بسام   
في إحدى الجامعات الأميركية في لبنان وفي الطريق إلى المكتبة، جلست المشرفة إلى جانب أحد الصبية، وكان يرتدي قميصاً قطنياً طبع عليه صورة “كابتن أميركا”، وهو أحد الشخصيات “الخارقة التي تحارب الشر”، وتEقدم للأطفال في إطار المجلات المصورة أو أفلام الكرتون المتحركة.
كانت المشرفة تشرح للطفل وبالإنكليزية أهمية وعظمة “كابتن أمريكا”، وأن على الجميع “التمثل به وبأخلاقه العالية”. تحمس الطفل معها! وهو يمثل جيل جديد من أجيال ستخرجها هذه المدارس والجامعات الإرسالية التي فعلت فعلها في هوية لبنان، وأدت إلى صراع كبير ما بين أبناءه حول القضايا الأساسية والتي تمثل الوطن الذي نعيش فيه. هل لبنان عربي أم لا؟ هل لبنان ملتزم بقضايا الشعب العربي أم لا؟ هل القضية الفلسطينية وحق الشعب العربي الفلسطيني في أرضه مصان أم لا؟ وهل للكيان الإسرائيلي الحق في الوجود على أرض فلسطين أم لا؟ شيء يتطابق مع ما يطرحه المطبعون العرب على صفحات التواصل الإجتماعي.

تعد مسألة الهوية السياسية أو الإجتماعية من أهم المسائل التي تناقش اليوم حول العلاقة ما بين الفرد والمجتمع. وتعتبر الهوية العامل الأساس الذي تبنى عليه العلاقة ما بين الفرد وما بين بيئته ومجتمعه ودولته. ولكن الأساس أو العمق الذي تبنى عليه الهوية له علاقة مباشرة ليس فقط بتاريخ نشئة الفرد وإنما بتاريخ نشوء وتشكل المجتمع بشكل عام، وهي علاقة تراكمية تبنى على مدى أجيال، ولذلك فإن تعرض الأفراد لتغيير مفاجئ ينجم عنه اختلال في توازن هوية الفرد الإجتماعية والسياسية وحتى النفسية.

يتعرض الشعب العربي اليوم لقرصنة هويته من خلال تكريس مفهوم عدم قدرة اللغة العربية على التماشي مع الإختراعات الحديثة، ومن خلال كتابة الرسائل العربية بالأحرف اللاتينية على صفحات التواصل الإجتماعي باستخدام الهواتف الذكية. أو من خلال الترويج إلى أن مواكبة التقدم التكنولوجي لا تتم من خلال تعلم اللغات الأجنبية فقط، بل عبر التعلم بها، وهذا الأمر الأخير لا علاقة له بقدرة اللغة الأم على مواكبة التطورات، ولكن المطلوب خلق جيل لا علاقة له باللغة العربية، لأن الغرب يفهم أن العلاقة ما بين الهوية واللغة هي علاقة وثيقة. ومن خلال هزيمة اللغة يمكن هزيمة الشعب العربي في داخل وخارج فلسطين.

اللغة هي ثقافة وحضارة، وهنا يكمن مفهومها العميق. ومحاربة اللغة هي جزء من الحرب على الهوية. أي أن التغريب الذي يتعرض له العرب في كل المجالات ليس صدفة، حتى أن هناك أشخاص يرفضون حمل الكتاب العربي، ويتحدثون مع أبناءهم باللغات الأجنبية.

على الرغم من التوريات المفتعلة، فإن الثورات العربية التي امتدت وتواصلت عبر القرن الماضي كانت في مجموعها متحدة على مجموعة من الأهداف: العدالة الإجتماعية والتحرر من الإستعمار ومحاربة الحركة الصهيونية في فلسطين. دعت إلى ذلك شخصيات ذات عقائد مختلفة رأت أنه لا يمكن للدول العربية أن تعيش في حالة التقسيم التي فرضت عليها منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم. غير أن التقسيم يتم كل يوم تكريسه سياسياً من خلال المعاهدات وإقامة الأحلاف الدولية الجزئية والتي جعلت الدول العربية تدخل في تحالفات إقليمية مختلفة، ذات تسميات مختلفة مثل الشرق الأدنى، أو الشرق الأوسط، أو الشراكة المتوسطية، والتي بمجملها تضم الكيان الإسرائيلي كجزء من المنظومة الشرقية المتوسطية، مما يسهل عملية التطبيع مع إسرائيل.

عمل الإستعمار الأوروبي في أفريقيا وآسيا على خلق هويات جديدة أدخلت شعوب القارتين في أزمات ونزاعات مسلحة. واليوم انتقلت النزاعات المسلحة إلى داخل الدول العربية، خاصة بعد الربيع المزعوم، والتي قامت على أساس تنمية العصبيات الطائفية والمذهبية والعرقية على حساب الهوية الجامعه. ابتدأ هذا النوع من الصراعات بهدف تقويض الإجماع العربي حول القضية الفلسطينية والدخول في قضايا ضحلة بعناوين كبيرة. وابتدأت هذه النزاعات بمنحاها الطائفي والديني من أجل تقسيم المنطقة على أساس ينسجم مع الدولة اليهودية في فلسطين. بحيث يصبح الوجود الصهيوني اليهودي في فلسطين، والهوية اليهودية لمستوطني الكيان متماشيةً مع الدول الدينية والمذهبية في المنطقة، ومن أجل خدمة هذا المشروع كان لابد من القضاء على الهوية العربية والإستهزاء منها وتحويله إلى منهج لتسفيهها في داخل المجتمعات العربية.

2019-08-07