عندما تصبح بلادنا «أرض ميعاد» ثانية بإرادتنا!

 
سعود قبيلات 
قبل سنوات، ذهبنا مع وفودٍ ثقافيّةٍ عربيّة إلى موقعٍ أثريٍّ أردنيّ، وفوجئنا بالدليل السياحيّ الأردنيّ الرسميّ يقدِّم قصَّة الموقع مِنْ خلال بعض الأساطير التوراتيّة، بدلاً مِنْ أنْ يقدّمها مِنْ خلال معطيات علم الآثار والتاريخ وبالاستناد إلى المكتشفات والوثائق الأثريّة.

ولا يقتصر هذا الموقف المستنكَر على بعض الأدلّاء السياحيين؛ فكلّ مَنْ يطَّلع على منشورات «هيئة تنشيط السياحة»، يجدها تروِّج أيضاً الأساطير التوراتيّة نفسها في شأن الأماكن الأثريّة الأردنيّة. والطريف أنَّ «الهيئة» تستخدم لهذا الغرض ألفاظاً مِنْ مثل: «يُعتَقَد أنَّ» أو «يعتقد البعض أنَّ» (ولا توضِّح من الذي «اعتقد» وما هي أهمِّية اعتقاده). وذلك بدلاً مِنْ أنْ تقول: اكتشف الباحثون كذا، أو توصَّل الباحثون إلى كذا…

وأبعد مِنْ ذلك، فالكثير من البرامج والمسلسلات (والحزازير الرمضانيّة)، الأردنيّة والعربيّة الخاصَّة بالأطفال، تفعل ذلك بأسوأ صوَرِهِ. حيث توضع علوم التاريخ وحقائقه جانباً، ويتمّ النظر إلى حضاراتنا القديمة العظيمة بعيون قبيلة العبرانيين البدائيّة التي كانت تترحَّل في أرجاء المنطقة وترى الحضارات الكبرى القائمة مِنْ حولها (في العراق، وسوريا الطبيعيّة، ومصر)، فتنظر إليها نظرةً ملؤها الحسد والشعور بالعجز والنقص، وتعوِّض ذلك عن طريق أحلام اليقظة (والاستيهامات) التي تتخيَّل بها نفسها وقد بنتْ دولةً عظيمة تمتدّ من الفرات إلى النيل، ورؤساء القبيلة وقد أصبحوا ملوكاً عظماء وبنوا صرحاً معماريّاً (الهيكل المزعوم) لا مثيل له في جماله وحجمه.

كلّ الحضارات والأمم التي مرَّت على هذه المنطقة – مهما كان شأنها – تركت آثاراً تدلّ عليها. وبالمقابل، فشلت الأبحاث التاريخيّة – بما فيها الأبحاث «الإسرائيليّة» التي أُنفِقَتْ عليها أموالٌ طائلة – في العثور على أيّ أثرٍ للدولة اليهوديّة التي تزعم التوراة أنَّها قامت في المنطقة (وخصوصاً على أرض فلسطين). وفي النهاية، خرج العديد من المؤرِّخين «الإسرائيليين»، الذي أمضوا سنواتٍ طويلة مِنْ أعمارهم في الاشتغال بهذه الأبحاث، إلى العالم، واعترفوا بهذه الحقيقة التي كانت مرّة جدّاً بالنسبة لهم، وألَّف بعضهم كتباً ونشر أبحاثناً ودراساتٍ في هذا المجال. وقد أُطلِق على هؤلاء المؤرِّخين، الذين اتَّخذوا هذا الموقف العلميّ النزيه، اسم «المؤرِّخين الجدد».

وبالإضافة إلى هذا فإنَّ الحضارات الكبرى التي تحدَّثتْ عنها التوراة فشوَّهت صورتها، أصبحت تفاصيل الحياة في زمانها معروفة جدّاً عن طريق آثارها ومدوَّناتها التي اكتشفها الباحثون الأثريّون. ولكن، هذه التفاصيل لا تشتمل على أيّ إشارة إلى وجود اليهود في هذه المنطقة.. لا على شكل دولة ولا على أيّ شكل آخر. ما يعني أنَّ وجودهم كان هامشيّاً جدّاً وغير مرئيّ.

أكثر مِنْ ذلك، فقد بيَّنت الاكتشافات العلميّة الحديثة، أنَّ كلّ الأساطير الموجودة في التوراة، والكثير من المسمَّيات الموجودة فيها، مسروقة مِنْ بعض شعوب المنطقة.. خصوصاً شعوب ما بين النهرين، ومثال ذلك قصّة الطوفان. ما يجعل سرقة الكيان الصهيونيّ، حاليّاً، للتراث الفلسطينيّ والعربيّ، أمراً عاديَاً وضمن دائرة المألوف.

المسألة، إذاً، لا تتوقَّف عند زيارة وفد سياحيّ (أو دينيّ) يهوديّ إلى مكانٍ أردنيٍّ وإقامة طقوسهم الدينيّة فيه (ولا تنتهي بإغلاق وزارة الأوقاف للمكان)؛ بل إنَّها تظلُّ مفتوحةً على ما هو أخطر. أعني الاختراق الثقافيّ (التراثيّ خصوصاً) العميق الذي لم يتمّ إغلاق بابه بعد. حيث تنتشر الأساطير التوراتيّة (والخرافات التلموديّة أيضاً) بيننا على نطاقٍ واسع. وبناء على ذلك، تنتشر المسمّيات المبنيّة على أساطير توراتيّة للكثير من الأماكن في بلادنا، مِنْ دون أيّ سندٍ علميّ أو دليلٍ يُعتَدُّ به.

وبالاستناد إلى هذه الثقافة التوراتيّة المستشرية والقائمة على الأحقاد والضغائن وعُقَد النقص، يتمّ، بلا وجه حقّ، تشويه نظرة الناس في بلادنا إلى جميع الحضارات القديمة التي قامت في المنطقة وكانت لبعضها مساهمات حضاريّة مهمّة؛ كالحضارة الفرعونيّة (وهذا وليس اسمها الأصليّ، بل هو مستمدّ من الاسم الذي أطلقته التوراة على ملوك مصر القديمة، في سفريْ التكوين والخروج)، والحضارة البابليّة، والكنعانيين والعمونيين والمؤابيين. في حين يتمّ تمجيد العبرانيين وملوكهم المزعومين، مِنْ دون أنْ يستحقّوا ذلك.

أي أنَّه، بوساطة عمليَّة تزييف الوعي الهائلة هذه، يتمّ سلخنا تماماً عن جذورنا التاريخيّة (والحضاريّة) الحقيقيّة وإلحاقنا بـ«التاريخ» التوراتيّ المزعوم.

إنَّ الحضارة الآرامية السريانيّة – على سبيل المثال – لا تزال ممتدّة فينا، عبر لاوعينا الجمعيّ، وبالمفردات اليوميّة التي نستخدمها، وأسماء الأشهر التي نتوارثها، وميراثنا الثقافيّ الزراعيّ الأصيل، وبالكثير من الطقوس والمعتقدات المستمرَّة لدينا؛ لكنَّنا لا نعترف بها كجذرٍ حضاريٍّ أصيل لنا. وبدلاً مِنْ ذلك، نروِّج الموروث البدائيّ التوراتيّ ونُستَلَب له!

على أيّة حال، إذا كنّا نحن نسمِّي العديد من الأماكن في بلادنا بمسمَّيات توراتيّة، ونقحم عليها أساطير التوراة بدلاً مِنْ سرديّتها التاريخيّة الحقيقيّة؛ فلماذا تستغرب، إذاً، عندما يأتيّ بعض اليهود إلى هذه الأماكن ويقيمون فيها طقوساً دينيّة خاصّة بهم؟! ثمّ هل يجب أنْ نُفاجأ، بعد ذلك، إذا ما أدرجوها في سياق أسطورتهم عن «أرض الميعاد»؟!

قبل سنوات، جاء إلى بلادنا أناتولي لوكيانوف، آخر رئيس لمجلس السوفييت الأعلى في الاتّحاد السوفييتيّ السابق، ورافقه شقيقي ياسر، لمعرفته الجيّدة باللغة الروسيّة، إلى بعض الأماكن الأثريّة في مادبا. وعندما وصلا إلى صياغة (جبل نيبو)، تعمَّد ياسر أنْ يوقفه في مكانٍ صغير مطلّ كان بابا الفاتيكان قد وقف فيه لدى زيارته للأردن قبل سنواتٍ مِنْ ذلك التاريخ. وما إنْ راح لوكيانوف ينظر إلى الغرب، حتَّى سأله ياسر قائلاً: أتعرف أنَّ البابا سبق له أنْ وقف في هذا المكان نفسه؟

صفن لوكيانوف قليلاً وقال: ثمّة فرق كبير؛ فالبابا عندما وقف هنا نظر إلى أرض الميعاد. أمَّا أنا، فأنظر إلى أرض فلسطين المحتلَّة(1).

على أيَّة حال، ليس البابا وحده مَنْ ينظر هذه النظرة التي نسبها لوكيانوف إليه؛ بل أيضاً كلّ مَنْ يروِّج الأساطير التوراتيّة عن الأماكن الأردنيّة والفلسطينيّة.. بغضّ النظر عن دينه أو مذهبه أو قصده.

الكيان الصهيونيّ عندما احتلَّ فلسطين بالقوّة، أطلق على أماكنها أسماء عبريّة دخيلة معظمها توراتيّ، بدلاً من أسمائها الحقيقيّة القديمة. فلماذا نبقي نحن على الأسماء التوراتيّة لبعض أماكننا، خصوصاً أنًّها أُطلِقَتْ عليها في مراحل تاريخيّة متأخِّرة جدّاً (وفي ظروف سياسيّة مغايرة) وليس في المرحلة التي يزعم اليهود أنَّهم أقاموا دولتهم القديمة فيها؟

لقد اصطنع الصهاينة من الأسطورة التوراتيّة أساساً لما أسموه «الحقّ التاريخيّ بالأرض الموعودة» التي لم يعلنوا حتَّى الآن حدودها النهائيّة. والكارثة أنَّنا نحن مَنْ يسعى باستمرار إلى منح هذه الأسطورة «صدقيّةً تاريخيّة» لا تملكها ولا تستحقّها!

مِنْ دون حلّ هذه المعضلة جذريّاً، سنظلّ نخدم الصهاينة بينما نحن نشتمهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)جاء ذلك في مقابلة أجراها ياسر قبيلات مع لوكيانوف ونُشِرَتْ في جريدة «الرأي» الأردنيّة في حينه.
‎2019-‎08-‎05
عن مدونة سعود قبيلات