أنا ارهابي اذا كان التصدي للغزاة ارهابا!  


بسام ابو شريف  
أشفق على الذين لم يناضلوا في حياتهم لتحقيق هدف نبيل، أحزن على الذين لايعرفون معنى وقيمة الحرية للانسان، ولا أتردد في احتقار الذين لا يعرفون قيمة الانسان وحقوقه، ويدوسونها ويبطشون بمن يطالب بها لانتزاعها.
الضعفاء في هذه الحياة هم الذين يبطشون ويسفكون دماء الأطفال والنساء والرجال مدنيين كانوا أم عسكريين …. والأقوياء هم المستضعفون من طغاة لايقودهم سوى الجشع ونهب أموال الشعوب.
لو لم أكن عربي القلب، وفلسطيني العقل كيف يكون بمقدوري أن أبلور قيمة انسانية لنفسي.
وبلورة هذه القيمة تجعل الانسان يحترم نفسه، ويكتشف سبب وجوده على الأرض التي كانت ومازالت محكومة بقوانين الصراع والبقاء للأقوى!
في مناظرة جرت في احدى جامعات انكلترا (كنت مشاركا فيها)، قال أحد الصهاينة الذين شاركوا في الندوة : لقد انتصرت اسرائيل في حرب 1948، وحرب 1967، وعلى المهزوم أن يقر بهزيمته وأن يقبل بنتائجها العملية، فهذا واقع ومن ينتصر يستولي على ماكان لدى المهزوم !! .
هذا نموذج على البشر الذين لا قيمة لهم لأنهم يعبرون عن آراء وأفكار عارية من كل قيمة رفيعة، وتهذيب للنفس الانسانية لتتخلص من نزعات الحيوان، وقانون الغاب .
فاستغلال الآخرين جريمة وقحة، وهذا ما تفعله الدول التي تستعمر بلاد الآخرين وتستعبد شعوبها، وذلك من أجل نهب الثروات وابقاء الطغاة على طغيانهم، وفرض مقاييس الجهل والتخلف عليهم بالقوة .
لو لم أكن عربيا فلسطينيا لما تغيرت قناعاتي، فقناعاتي لم تبن استنادا لمصالح شعبي فقط، هذه القناعات استندت الى فهم واقتناع بالقوانين التي تحترم الاستقلال، وتنصر المظلوم والمعتدى عليه وتحمي من يتعرض للبطش والاستعباد .
وأرفض أن تطلق على هذه القناعات ألقاب، أو تصنف ضمن مدارس الفكر الثوري (الجيفارية أو الماوية أو التروتسكية)، فهذه القناعات نمت وترعرعت في صدري وعقلي من خلال قراءة ماكتب عن تاريخ الصراع على الكرة الأرضية قراءة نقدية .
فمن يقرأ للمؤرخين يستطيع أن يصنف ماكتبوه، ويكشف مافرضته أنظمة استبدادية ليكتب كتاريخ للأمم، أو ما فرضته أنظمة تفوقت بالسلاح على غيرها، وفرضت على المهزوم أن يقبل بالتاريخ الذي يزور الحقائق، وقلائل هم الذين كتبوا التاريخ ” أو أرخوا “، لحقبة من الزمان بموضوعية وشفافية ونزاهة وان كانت تغيظ حكاما وأنظمة ولأنها لم ترضخ لضغوطها واملاءاتها.
واكتشاف هذا الأمر سهل بطرح أسئلة : هل كان معاوية بن أبي سفيان يسمح بكتابة التاريخ بشفافية وصدق؟
وهل يسمح الملوك الذين نصبهم الاستعماريون في الجزيرة بأن يصاغ تاريخ الجزيرة بموضوعية وشفافية؟!
لماذا لم يكتب تاريخ الوهابيين، وما فعلوه بقرى وبلدات الجزيرة العربية؟
هل كان للمؤرخين صلاحية الكتابة بصدق وموضوعية في المانيا أثناء حكم هتلر والهتلريين أو بريطانيا “الامبراطورية الاستعمارية”، التي نهبت الهند والسند والشرق الأوسط، ولم تغادر مستعمرة الا بعد أن تترك خلفها ألغاما تعمر قرونا .
الاستعماريون يكتبون عن أنفسهم أنهم “محررون”، وحماة الديموقراطية والحرية والعدالة، وهم مجرمون قتلوا ملايين وملايين من البشر من أجل نهب ثروات الشعوب، ويطلقون على الشعوب التي تقاومهم وتنتصر عليهم “ارهابيون”، ولنرجع قليلا للوراء: ماذا كانت فرنسا تسمي ثوار الجزائر؟ ألم ترفع شعار “الجزائر فرنسية”، ألم تصف الثوار الجزائريين بالارهابيين؟
وماذا كانت بريطانيا تسمي مقاتلي الجبهة القومية لتحرير اليمن الجنوبي ؟ الذئاب الحمر والارهابيين، وكيف واجهت حركة غاندي السلمية ؟، وماذا فعلت في قبرص وكيف قاتلت ضد “الارهابي”، مكاريوس الكاهن الذي حمل السلاح لاخراج البريطانيين، وماذا فعلت انكلترا في كشمير وتقسيم قبرص.
ثم فوق هذا وذلك نسأل كيف ارتكبت انكلترا جريمة كل العصور في فلسطين، احتلت أرضا يملكها الفلسطينيون، وأعطت الأرض للصهاينة بعد أن سلحتهم ودعمت اسرائيل بعد أن وعدت اليهود باقامة وطن لهم على أرض شعب متقدم حضاريا وعلميا وثقافيا، هو الشعب الفلسطيني.
ومازالت هذه القوى ترتكب نفس الجرائم، وتتهم المناضلين بأنهم ارهابيون لذلك أجبتهم في جامعة اكسفورد بعد محاضرتي، وردا على سؤال حول كوني ارهابيا : ” نعم، أنا ارهابي … اذا كان القتال لانتزاع الحرية والاستقلال ارهابا …، وانا ارهابي اذا كان الدفاع عن الأطفال والنساء ارهابا، وأنا ارهابي اذا كانت المطالبة بالعدالة والاحترام المتبادل والحفاظ على مصالح الشعب ارهابا”.
نحن لم نشن حرب ابادة على سكان اميركا الأصليين … ونحن لم نرتكب مجازر، ونحن لم نستعمر بريطانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال، نحن لم نسفك دماء عشرات الملايين من أهل اميركا اللاتينية، ولم نبد ملايين الافريقيين كما فعلت الدول الاستعمارية.
نحن نقف مع الحرية والمقاتلين الذين يناضلون لانتزاع حريتهم، ونحن …. ونحن مقاتلون حتى نستعيد كامل حقوق شعبنا، ونقف الى جانب الشعوب العربية وكل الشعوب للتمتع بالحرية والديموقراطية، وانتخاب من يمثل الشعوب، ويدافع عن حقوقها ومصالحها .
لهذا اخترت هذا الطريق… انه طريق احترام الانسان لنفسه عبر تنمية قيمة انسانية عالية المستوى ونبيلة المحتوى، أكتب هذا في يوم يسجل أنني أمضيت 55 عاما في النضال لانتزاع حقوق شعبنا ومازلت أناضل.
سياسي وكاتب فلسطيني

2019-08-05